الشرق الأوسط: حرب السودان.. هل اقتربت لحظة التسوية؟
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، يبدو السودان أمام لحظة مختلفة سياسياً وإنسانياً. ليس لأن المعارك توقفت، أو لأن أحد طرفي الصراع حسم المواجهة عسكرياً، بل لأن تكلفة استمرار الحرب أصبحت تتجاوز قدرة الجميع على الاحتمال؛ داخلياً وإقليمياً ودولياً.
ومع تصاعد الضغوط الدولية، والتحركات الإقليمية المكثفة، والانهيار الإنساني المتسارع، تتكرر الأسئلة ذاتها في الأوساط السياسية والإعلامية: هل اقتربت الحرب من لحظة التسوية؟ أم أن السودان الموبوء بالحروب يتجه نحو صراع طويل يشبه حروبه السابقة؟
التاريخ السوداني لا يقدم إجابات مطمئنة، فمعظم الحروب الكبرى في البلاد امتدت لعقود؛ الحرب الأهلية الأولى في الجنوب استمرت 17 عاماً (1955 – 1972)، والثانية 22 عاماً (1983 – 2005)، بينما استمرت حرب دارفور نحو 17 عاماً (2003 – 2020) وجميعها حُسِمت بالعودة إلى الحوار والتفاهم والسلام. لذلك يضع السودانيون قلوبهم بين أيديهم خشية أن تتحول الحرب الحالية إلى فصل جديد من تلك الحروب الطويلة والمفتوحة.
لكن ثمة من يرى أن هذه الحرب تختلف عن سابقاتها.
فمنذ اندلاع المواجهات بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، في أبريل 2023، راهن الطرفان على حسم عسكري سريع. غير أن دخول الحرب عامها الرابع كشف بوضوح حدود هذا الرهان؛ فالمعارك التي تمددت من الخرطوم إلى بورتسودان، ودارفور وكردفان ثم النيل الأزرق، لم تنتج انتصاراً حاسماً لأي طرف، لكنها دفعت البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
ومع تعقّد المشهد الميداني، بدأ المجتمع الدولي ينظر إلى الحرب السودانية باعتبارها تهديداً يتجاوز حدود السودان نفسه؛ فالتوترات المتصاعدة في البحر الأحمر، ومخاوف اتساع الفوضى في القرن الأفريقي، وتزايد موجات النزوح والهجرة غير الشرعية، كلها عوامل دفعت العواصم الغربية والإقليمية إلى تكثيف الضغوط من أجل الوصول إلى تسوية سياسية.
وفي هذا السياق، شكّل مؤتمر برلين الأخير محطة مهمة، بعدما أجمعت عشرات الدول والمنظمات الدولية على أن الأزمة السودانية «لا يمكن حسمها عسكرياً»، وأكدت دعمها الواضح لمسار تفاوضي شامل. كما كثفت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تحركاتهما الدبلوماسية للدفع نحو وقف إطلاق النار؛ خصوصاً مع تزايد المخاوف من اتساع دائرة الفوضى في المنطقة.
ومن أبرز المؤشرات على هذا التحول، تصريحات مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الذي أكد أنه «لا وجود لحل عسكري للنزاع في السودان»، مشيراً إلى وجود «إجماع دولي» لدفع الأطراف نحو التفاوض ووقف إطلاق النار. كما تحدث عن جهود أميركية لدعم هدنات إنسانية تمهّد لوقف دائم للقتال.
صحيح أن هذا التحول الدولي لا يعني بالضرورة أن التسوية أصبحت وشيكة، لكنه يكشف عن قناعة متزايدة لدى القوى المؤثرة بأن استمرار الحرب قد يقود إلى انهيار الدولة السودانية بالكامل، وهو سيناريو تخشاه قوى إقليمية ودولية عديدة، خاصة دول الجوار.
وشهدت الأشهر الأخيرة حراكاً إقليمياً أكثر نشاطاً مقارنة بالسنوات الأولى للحرب، حين وُصفت بأنها «الحرب المنسية»؛ فهناك تنسيق متزايد بين الاتحاد الأفريقي، ومنظمة «إيغاد»، وجامعة الدول العربية، إلى جانب تحركات خليجية ومصرية وأفريقية تهدف إلى منع تفكك السودان أو تحوله إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.
وتدرك هذه الأطراف أن استمرار الحرب لن يهدد السودان وحده، بل سيؤثر مباشرة على أمن البحر الأحمر، وحركة التجارة الدولية، واستقرار دول الجوار، بما يجعل التوصل إلى تسوية سياسية ضرورة إقليمية، وليس مجرد مطلب سوداني داخلي.
في الداخل السوداني، ورغم أن الجيش السوداني لا يزال متمسكاً بخطاب استمرار العمليات العسكرية، أبقى الباب موارباً أمام الحلول السياسية. ففي تصريحات بدت ذات دلالات سياسية، قال البرهان، أخيراً، إن «أي شخص وصل إلى قناعة ووضع السلاح، فإن حضن الوطن مفتوح له»، وهي رسالة فسّرها مراقبون باعتبارها محاولة لفتح الباب أمام تسويات محتملة أو تشجيع انشقاقات داخل «قوات الدعم السريع»، عبر تقديم ضمانات ضمنية للراغبين في العودة والانخراط في ترتيبات جديدة.
ومع ذلك، يواصل البرهان التأكيد في أكثر من مناسبة بأن الجيش «ماضٍ في استعادة الدولة ومؤسساتها»، في مؤشر يعكس تمسك المؤسسة العسكرية بسقفها السياسي والعسكري في أي مفاوضات مقبلة، وهو ما يشير إلى أن الطريق نحو تسوية شاملة لا يزال محفوفاً بتعقيدات كبيرة، رغم تزايد الضغوط لإنهاء الحرب.
