أكد رئيس الوزراء الفرنسى سيباستيان لوكورنو أن الهدف من هذا التوجه هو تحمل المسؤولية تجاه هذا الإرث التاريخي، موضحا أن عمليات الإعادة ستتم وفق أسس علمية دقيقة تضمن التوازن بين صون المجموعات الثقافية وإعادتها إلى بلدانها الأصلية، وفي الوقت ذاته، طمأنت السلطات الفرنسية المؤسسات الثقافية الكبرى، مثل متاحف “اللوفر” و”كيه برانلي”، بأن العمليات ستخضع لدراسة متأنية عبر لجان متخصصة للحفاظ على القيمة التاريخية للمقتنيات.
وشهد هذا المسار خطوات عملية ملموسة، بدأت بإعادة 26 قطعة من “كنوز أبومى” إلى جمهورية بنين عام 2021، وهي العملية التي مثلت حجر الزاوية لتعديل القوانين الفرنسية التي كانت تمنع التنازل عن مقتنيات المتاحف الوطنية.
“إن التراث الإفريقي لا يمكن أن يظل حبيس المجموعات الخاصة والمتاحف الأوروبية فقط.. يجب أن يتم إبراز قيمته في باريس، ولكن أيضاً في داكار ولاغوس وكوتونو؛ وسيكون ذلك أحد أولوياتي”.. هكذا تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خطابه التاريخي بجامعة “واجادوجو” بجمهورية بوركينا فاسو عام 2017، وهو الوعد الذي شرعت باريس في الوفاء به عبر إقرار إطار تشريعي جديد يسهّل إعادة الممتلكات الثقافية التي خرجت من أوطانها خلال الحقبة الاستعمارية.
ويعكس هذا التحول التشريعي استراتيجية فرنسية جديدة لإعادة تعريف “الدبلوماسية الثقافية”، حيث تسعى باريس لتحويل ملف الآثار من “نقطة خلاف تاريخية” إلى جسر للتعاون المستقبلي القائم على الاحترام المتبادل.
وبموجب القانون الجديد، أصبحت الحكومة الفرنسية مخولة باتخاذ قرارات إعادة القطع الأثرية عبر مراسيم مباشرة، وهو ما يضع حداً لتعقيدات المسارات التشريعية المنفصلة التي كانت تُعالج كل حالة على حدة.
ويحدد القانون نطاقاً زمنياً يشمل الممتلكات التي تم اقتناؤها بين عامي 1815 و1972، بما يمنح السلطات مرونة أكبر في التنسيق مع المتاحف والجهات المالكة لضمان إعادة هذه القطع في إطار منظم، وكان الرئيس ماكرون قد أكد في خطابه قائلاً: “أريد أن تُهيأ الظروف، في غضون خمس سنوات، لتحقيق عودة نهائية أو مؤقتة للتراث الإفريقي إلى إفريقيا”.
كما شملت المبادرات إعادة “سيف الحاج عمر الفوتي” إلى السنغال، والذي سُلم في البداية كإعارة طويلة الأمد عام 2019 قبل أن تتحول إلى ملكية نهائية، وصولاً إلى إعادة “الطبل المتكلم” إلى ساحل العاج مطلع عام 2026، وهي قطعة رمزية هامة لاقت عودتها ترحيباً واسعاً وأسهمت في تعزيز الثقة بين فرنسا وشركائها.
وعلى الصعيد الدولي، حظى التوجه الفرنسي باهتمام وترحيب متزايد، حيث اعتبرته قوى دولية كبرى مثل الصين خطوة إيجابية تعزز فرص التعاون في استعادة الموروث الثقافي.
ويرى مراقبون فرنسيون أن هذا القانون يفتح آفاقاً أوسع أمام الدول التي خرجت منها قطع أثرية هامة خلال الحقبة الاستعمارية، وفي مقدمتها مصر، لتقديم قوائم رسمية بالقطع المطالب باستردادها، بما يتيح دراستها والفصل فيها عبر لجان مشتركة متخصصة دون الحاجة لإجراءات برلمانية معقدة.
وبذلك، لم يعد التحدي مرتبطاً بالإطار القانوني الفرنسي، بل بات مرهوناً بقدرة الدول على تقديم الأدلة التاريخية والقانونية التي تثبت خروج هذه القطع بطرق غير مشروعة، في خطوة تكرس مبادئ العدالة الثقافية والتعاون الدولي.
المصدر:أ ش أ

