في لحظة فارقة يمر بها استقرار الأسواق العالمية، أطلقت فرنسا والمملكة المتحدة مبادرة بشأن الملاحة البحرية فى مضيق هرمز، من خلال قمة دولية طارئة يعقدها الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر، اليوم الجمعة فى باريس عبر تقنية “الفيديو كونفرانس”، بمشاركة عشرات الدول؛ استجابةً للأزمة المتفاقمة فى المضيق، الذى تحول إلى ورقة ضغط فى الصراع الدائر فى الشرق الأوسط، مما وضع أمن الطاقة العالمى على المحك.
ويهدف مؤتمر باريس، بحسب الرئاسة الفرنسية (الإليزيه)، إلى حشد الدول غير المنخرطة في النزاع لإظهار التزامها بحرية وأمن الملاحة وفقاً للقانون الدولي، والعمل على استعادتها، بما في ذلك بحث إمكانية تشكيل بعثة متعددة الجنسيات ذات طابع دفاعي، فور توفر الظروف الأمنية المناسبة.
وأكدت فرنسا على لسان وزير أوروبا والشؤون الخارجية جان-نويل بارو أن المياه الدولية تمثل “ملكية مشتركة للبشرية “، وأن حرية الملاحة فيها حق غير قابل للتصرف، حيث شدد الوزير على أنه لا يجوز لأي طرف عرقلة هذا الشريان الحيوي، لما لذلك من تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي والحياة اليومية للمواطنين والشركات، محذرا من أن إغلاق المضيق قد يؤدي إلى عواقب اقتصادية جسيمة.
وفي هذا السياق.. أوضحت فرنسا استعدادها لتولي مسؤولية نظام حراسة السفن، بمجرد تثبيت وقف دائم لإطلاق النار في المنطقة، مع التأكيد على أن أي بعثة محتملة ستكون منفصلة عن أطراف النزاع، وتهدف حصراً إلى تأمين انسيابية النقل البحري.
وفي لندن.. وصف رئيس الوزراء البريطاني بنبرة حازمة أمام البرلمان خنق الملاحة في المضيق بأنه “إجراء خاطئ”، مؤكدا أن الخطة المشتركة مع باريس تقوم على مسارين متوازيين، دبلوماسي لدفع تسوية تفاوضية شاملة، وأمني لضمان حركة الشحن فور توفر بيئة آمنة، منبها إلى أن حرية الملاحة “خط أحمر” لا يمكن التهاون بشأنه.
وشدد ستارمر على أن الأولوية القصوى للحكومة البريطانية تتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز، نظرا لأهميته الحيوية في مرور النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، محذرا من أن استمرار التوتر يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، حتى وإن كانت بريطانيا لا تعتمد بشكل مباشر على واردات تمر عبر المضيق، لكنها جزء من السوق الدولية.
وأشار إلى أن الشركات البريطانية أبلغته بوضوح أن السفن لن تعبر المضيق دون ضمانات أمنية كاملة، مما دفع الحكومة للعمل على مدار الساعة لوضع خطة لإعادة فتحه.
وعلى صعيد التقييم الفني.. أوضح فاتح بيرول المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة، أن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية، يهدد بإحداث خلل واسع في الأسواق، حتى بالنسبة للدول التي لا تعتمد مباشرة على هذا المسار، بحكم ترابط الاقتصاد العالمي.
و حذر من تداعيات الأزمة، واصفاً إياها بـ”الصدمة الثلاثية” التي تضرب النفط والغاز والغذاء معاً، معتبراً أن الوضع الحالي يتجاوز في خطورته أزمات الطاقة السابقة على مر التاريخ، نظراً لتأثيره المركب على الإمدادات العالمية.
وأنذر بأنه في حال عدم إعادة فتح مضيق هرمز فيجب الاستعداد لارتفاع كبير في أسعار الطاقة.
وانتقلت هذه المخاوف لتجد صداها المباشر في العمق الفرنسي؛ إذ لم تعد تداعيات الحرب في الشرق الأوسط حبيسة جبهات القتال، بل طالت شراراتها بيوت المواطنين؛ وهو ما دفع رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، إلى رسم مسار فاصل بين النزاعات الإقليمية والمصالح الوطنية. وحذر من أن استمرار الاعتماد على الطاقة الأحفورية المستوردة يعني بالتبعية استيراد أزمات الآخرين، مؤكداً أن الاستقلال الطاقي بات حجر الزاوية في السيادة الوطنية.
وفي هذا الصدد، أعلن لوكورنو عن استراتيجية طموحة لتعزيز “كهربة الاقتصاد” (التحول إلى الكهرباء) في فرنسا، مع اتخاذ إجراءات صارمة بحظر تركيب غلايات الغاز في المباني الجديدة.
ومع استخدام مضيق هرمز الاستراتيجي كسلاحٍ في المواجهة، تتزايد المخاوف الدولية من تداعيات استمرار التوتر على إمدادات الطاقة والأسواق العالمية، وسط مساعٍ دبلوماسية مكثفة لاحتواء الأزمة.
وتضع قمة باريس المجتمع الدولي أمام اختبار تاريخي لحماية حرية الملاحة في المياه المشتركة وصون السلم العالمي، في ظل لجوء عدد من الدول إلى إطلاق مخزوناتها الاستراتيجية لمواجهة شبح نقص الإمدادات؛ ليظل الرهان قائماً على نجاح الدبلوماسية في نزع فتيل الأزمة، وإثبات أن التكاتف الدولي وإعلاء لغة الحوار هما الخيار الأقوى في مواجهة لغة الحرب.
المصدر: أ ش أ

