مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتوجه أنظار المجتمع الدولي نحو العاصمة الألمانية برلين، التي تستضيف في 15 أبريل الجاري مؤتمراً دولياً رفيع المستوى لحشد الدعم الإنساني وتسريع خُطى التسوية السياسية. ويأتي المؤتمر، الذي تُنظمه ألمانيا بالتنسيق مع فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وسط جدل محتدم حول قائمة المدعوين، وموقف حاد من السلطة القائمة في بورتسودان التي أعلنت رفضها القاطع للمشاركة أو الاعتراف بمخرجاته.
ويهدف مؤتمر برلين إلى معالجة الأزمة السودانية عبر ثلاثة مسارات متوازية:
المسار الدبلوماسي: اجتماع لوزراء الخارجية لحشد التمويل الدولي للاستجابة الإنسانية.
المسار التنسيقي: تعزيز التعاون بين المنظمات الأممية والأوروبية لضمان وصول المساعدات.
المسار السياسي: يضم نحو 41 شخصية سودانية (مدنية وسياسية) بهدف صياغة “نداء جماعي” لخفض التصعيد وبلورة رؤية للانتقال المدني.
وأعلنت الحكومة القائمة في بورتسودان رفضها الرسمي للمؤتمر، معتبرة أن انعقاده دون التشاور معها يمثل “انتهاكاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”. وسلمت السفيرة إلهام إبراهيم مذكرة احتجاج للخارجية الألمانية، بينما وصف نائب رئيس مجلس السيادة، مالك عقار، المؤتمر بأنه يتعارض مع تطلعات السودانيين.
وبحسب مصادر إعلامية، لم يقتصر الرفض على البيانات الرسمية، بل امتد لمحاولات حشد مظاهرات مناهضة في أوروبا، وسط اتهامات من نشطاء حقوقيين لوزارة الخارجية السودانية بأنها “تُدار من قبل عناصر النظام السابق” الذين يسعون لرهن المبادرات الدولية بمكاسب سياسية.
وكشفت مسودة الوثيقة السياسية المطروحة في المؤتمر عن توجه دولي لفرض “عملية سياسية بملكية سودانية”، تشدد على:
أنه لا يوجد حل عسكري مستدام للنزاع.
ضرورة بناء حوار شامل يؤدي إلى انتقال ديمقراطي بقيادة مدنية.
اتخاذ خطوات عملية لبناء الثقة والحد من خطاب الكراهية.
رغم الأهداف المعلنة، لم يسلم المؤتمر من انتقادات القوى السودانية؛ حيث انتقد تحالف “تأسيس” (الذي تقوده قوات الدعم السريع) وجود “أوجه قصور” في الترتيبات، مشككاً في تمثيل بعض القوى الداعمة للجيش. كما أعلنت “قوى الحراك الوطني” برئاسة التيجاني سيسي مقاطعتها للمؤتمر، معتبرة أن الدعوات الشخصية تمثل “تقليلاً من شأن التحالفات السياسية”.
من جانبه، أعلن حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، إرسال منسق الشؤون الإنسانية بصفة “مراقب”، معرباً عن قلقه من غياب الأطراف الحقيقية المعنية بالأزمة عن طاولة النقاش.
يأتي هذا الحراك الدبلوماسي في وقت تزداد فيه القتامة الإنسانية؛ إذ تشير تقارير الأمم المتحدة إلى تحول “المجاعة” في السودان من خطر محتمل إلى واقع مؤكد، مع ارتفاع عدد المحتاجين للمساعدات إلى أكثر من ثلثي السكان.
ويرى مراقبون أن مؤتمر برلين، رغم كونه لا يهدف لإنهاء الحرب “مباشرة”، إلا أنه يسعى لتغيير زاوية النظر عبر تمكين الفاعلين المدنيين، في محاولة لكسر حلقة العنف التي يرى الباحث الألماني “غيريت كورتس” أن الأطراف العسكرية وحدها لن تستطيع إنهاءها دون إنتاج سلطة هشة قد تنفجر في أي لحظة.
ويبقى التساؤل قائماً: هل سينجح “نداء برلين” في توحيد الصف المدني والضغط على المدافع، أم سيتحول إلى مجرد محطة إغاثية أخرى تصطدم بصخرة التعنت السياسي؟
وكالات

