تصاعد الحرب فى إيران يدفع الأسواق للضغط على البنوك المركزية الأوروبية لرفع أسعار الفائدة
تعرضت البنوك المركزية في أنحاء أوروبا لضغوط متزايدة من الأسواق لرفع أسعار الفائدة، بعدما أدت الحرب في إيران إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وإحياء المخاوف من موجة تضخم جديدة.
وعززت أسواق المال توقعاتها بشأن قيام البنك المركزي الأوروبي والبنك الوطني السويسري والبنك المركزي السويدي برفع أسعار الفائدة قبل نهاية العام، بينما تشير التقديرات إلى أن بنك إنجلترا قد يسير في الاتجاه نفسه في عام 2027، كما أظهرت التوقعات أن عدداً من البنوك المركزية في آسيا قد يضطر إلى تعليق خططه لخفض أسعار الفائدة، وربما التفكير في زيادتها، بحسب ما نقلته منصة “إنفيستنج” الاقتصادية.
وجاءت هذه التغيرات الحادة في تسعير الأسواق مع قيام كبار منتجي النفط بخفض الإمدادات، وتزايد المخاوف من استمرار اضطرابات الشحن لفترة طويلة، ما دفع أسعار النفط الخام إلى تجاوز 119 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى لها منذ منتصف عام 2022.
بالنسبة للعديد من صناع السياسات النقدية، يثير هذا الارتفاع مخاوف من تكرار تجربة مؤلمة شهدتها أوروبا قبل أربع سنوات، عندما تأخرت معظم البنوك المركزية الأوروبية في رفع أسعار الفائدة بعد اندلاع حرب روسيا وأوكرانيا، والذي تسبب في صدمة طاقة سرعان ما انعكست على أسعار المستهلكين.
وقال فريدريك دوكروزيه، رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي في شركة إدارة الثروات «بيكتيه»، إن تلك التجربة لا تزال حاضرة بقوة في أذهان بعض صناع القرار النقدي، مضيفًا أن البنوك المركزية تخشى تكرار صدمة جديدة في جانب الإمدادات قد تمتد آثارها إلى بقية سلاسل التوريد.
وتشير بيانات أسواق المال إلى أن البنك المركزي الأوروبي قد يرفع أسعار الفائدة مرة واحدة بحلول يونيو أو يوليو، وربما مرة أخرى بحلول ديسمبر، بينما يُتوقع أن يرفع البنك المركزي السويدي الفائدة مرة أو مرتين خلال فصل الخريف، كما تتوقع الأسواق أن يتحرك البنك الوطني السويسري في أكتوبر، مع احتمال رفع إضافي في عام 2027، وهو العام الذي قد ينضم فيه بنك إنجلترا أيضًا إلى دورة التشديد النقدي.
ومن المقرر أن تعقد هذه البنوك الأربعة اجتماعاتها المقبلة يومي 18 و19 مارس، دون توقع اتخاذ قرارات فورية بشأن أسعار الفائدة، وأكد مسؤولون، خاصة في البنك المركزي الأوروبي، أن الارتفاع المؤقت في أسعار النفط نتيجة الصراع مع إيران قد لا يغير بشكل كبير توقعات التضخم على المدى المتوسط، ولا يستدعي بالضرورة استجابة فورية في السياسة النقدية.
وتشير تحليلات شركة «تي إس لومبارد» إلى أن التضخم في منطقة اليورو قد يرتفع بنحو نقطة مئوية كاملة إذا استمرت أسعار النفط والغاز عند مستوياتها الحالية، مع توقع أن تكون بريطانيا قريبة من هذا المستوى، كما أن ارتفاع أسعار الوقود قد يمتد أثره إلى بقية قطاعات الاقتصاد، من خلال زيادة تكاليف النقل والتصنيع، على غرار ما حدث في عام 2022.
وقال ماركو برانكوليني، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة لمنطقة اليورو في شركة «نومورا»، إن البنك المركزي الأوروبي تأخر في التحرك عام 2022 بسبب خروجه من عقد كامل من التضخم المنخفض، مضيفًا أن مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي سيكون هذه المرة أقل صبرًا، في محاولة لتجنب تكرار تجربة عام 2022.
وتكمن المعضلة الرئيسية أمام البنوك المركزية في الاختيار بين الالتزام بالمبادئ التقليدية للسياسة النقدية، التي تنصح بتجاهل صدمات العرض المؤقتة، أو الاستفادة من دروس التجربة الأخيرة المؤلمة.
وقال راينهارد كلوزه، الخبير الاقتصادي في بنك «يو بي إس»، إن المبدأ التقليدي للبنك المركزي الأوروبي كان يتمثل في تجاهل صدمات الطاقة الخارجية، لأن الارتفاع الأولي في الأسعار يكون غالبًا حتميًا ومؤقتًا، كما أن تشديد السياسة النقدية في هذه الحالة قد يزيد من خسائر الإنتاج، لكنه أشار إلى أن التحركات الأخيرة في أسعار الطاقة، إلى جانب مخاطر انتقال التضخم إلى بقية القطاعات، قد تدفع البنك المركزي الأوروبي إلى تقديم موعد أول زيادة في أسعار الفائدة.
ومع ذلك، حذر عدد من الاقتصاديين من أن الأسواق قد تكون تبالغ في رد فعلها، حيث أشار دوكروزيه إلى أن البنك الوطني السويسري هو الأقل احتمالًا لرفع أسعار الفائدة في الوقت الحالي، نظرًا لقوة الفرنك السويسري الذي يُعد ملاذًا آمنًا في أوقات الاضطرابات.
كما قال ألبرتو جالو، رئيس الاستثمارات في شركة «أندروميدا لإدارة الأصول»، إن التغير الحاد في تسعير الأسواق يعكس إلى حد كبير تراجع المستثمرين عن رهانات سابقة على خفض أسعار الفائدة، موضحًا أن حركة الأسواق تعكس في جزء كبير منها عمليات إعادة تموضع استثماري والتحوط من المخاطر في ظل تزايد حالة عدم اليقين العالمية.
المصدر: أ ش أ

