قالت صحيفة “فايننشيال تايمز” اليوم الاثنين، إن التصعيد العسكرى الجارى مع إيران يحمل تداعيات اقتصادية خطيرة يتوقع أن تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، خاصة عبر تهديد إمدادات الطاقة المارة من مضيق هرمز، الذي يعبر من خلاله نحو 20% من صادرات النفط العالمية.
وتضيف، بينما لا يزال النمو العالمي يظهر قدرا من الصمود بدعم من تراجع التضخم وانتعاش أسواق الأسهم، فإن التطورات المتسارعة تثير قلق الأسواق بشأن احتمالات ارتفاع أسعار النفط وعودة الضغوط التضخمية، بما قد يضع الاستقرار الاقتصادي العالمي على المحك.
وأفردت الصحيفة البريطانية أهم السيناريوهات المحتملة التي يتوقعها محللون بشأن اضطرابات سوق الطاقة على المستوى العالمي، لافتة إلى أن السيناريو الأسوأ يتمثل في إغلاق مضيق هرمز بالكامل، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، مسببا صدمات اقتصادية كبيرة.
وفي المقابل، قد يبرز سيناريو أقل حدة يتمثل فقط في توقف مبيعات النفط الإيراني، ما قد يدفع الأسعار إلى نحو 80 دولارا للبرميل، خصوصا إذا زاد منتجو النفط الآخرون إنتاجهم للحد من ارتفاع الأسعار. وقد وافق منتجو الطاقة الرئيبسون (أوبك بلس) أخيرا على زيادة الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يوميا، إلا أن هذه الزيادة كانت أقل مما توقعه مراقبو السوق.
وتستعرض الصحيفة البريطانية أوضاع سوق النفط بالنسبة لطرفي النزاع الرئيسيين، مبينة أنه رغم أن إيران استهلكت 3.45 مليون برميل من النفط الخام يوميا في يناير، ما يمثل أقل من 3% من الإمدادات العالمية، تدخل الولايات المتحدة الحرب وهي مكتفية ذاتيا إلى حد كبير في مجال الطاقة، حيث لم تستورد سوى 17% من احتياجاتها من الطاقة في عام 2024، وهو أدنى مستوى لها منذ أربعة عقود. ومع ذلك، فإن أي اضطرابات في إمدادات النفط من دول الخليج قد تؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، ما سيؤثر بشكل مباشر على المستهلكين والشركات في الولايات المتحدة. وقد يترجم ارتفاع أسعار النفط الخام في صورة زيادة في تكاليف البنزين، ما يفاقم أزمة غلاء المعيشة الحالية، لا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن ارتفاع أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل قد يدفع التضخم الاستهلاكي إلى ما يزيد على 4%، بينما يستقر هدف مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) عند 2%. ومن شأن هذه الضغوط التضخمية أن تقف كحجر عثرة أمام أي احتمالات لخفض أسعار الفائدة، ما سيؤثر على السياسة النقدية والنمو الاقتصادي بشكل عام. ويخلص الاقتصاديون إلى القول إن الصراع مع إيران يشكل خطرا كبيرا على استقرار أسواق النفط العالمية، مع ما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة على التضخم، والسياسات الاقتصادية، والتي تنتقل في نهاية المطاف لتؤثر على رفاهية المستهلك.
وتشير “فاينانشيال تايمز” إلى أن إطالة أمد الحرب الراهنة يشكل خطرا مضافا على عكس ما حدث في حرب الأيام الـ12 التي اندلعت العام الماضي بين إيران وإسرائيل، والتي لم يكن لها سوى تأثيرات مؤقتة على أسعار السلع. وأكدت أن نزاعا عسكريا أطول وأكثر حدة قد يؤثر بشكل كبير على الاقتصادات، لا سيما في الولايات المتحدة وخارجها.
وتنقل الصحيفة عن المحلل الاقتصادي في “بنك باركليز” أجاي راجادياكشا، قوله إن ارتفاعا مستمرا في أسعار النفط بمقدار 10 دولارات للبرميل قد يقلل النمو الاقتصادي بمقدار يراوح بين 10 إلى 20 نقطة أساس خلال الـ12 شهرا التالية. وإذا ارتفعت أسعار النفط إلى 120 دولارا للبرميل وبقيت عند هذا المستوى، فستكون التداعيات على الاقتصاد الأمريكي والعالمي وخيمة.
ويرى خبراء الاقتصاد في “باركليز” أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تعزيز الدولار الأمريكي، حيث أفاد ثيميستوكليس فيوتاكيس، بأن الاتجاهات التاريخية تظهر أن مثل هذه الصدمات تميل إلى دعم الدولار. ويتوقع البنك أن يرتفع الدولار بنسبة تتراوح بين 0.5 و1% مقابل سلة من العملات لكل زيادة نسبتها 10% في أسعار النفط.
وتشير الصحيفة إلى أن مثل تلك التداعيات سوف تمتد عالميا، لتؤثر بشكل خاص على الدول الرئيسة المستوردة للنفط مثل الصين، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج. في عام 2024، بلغت نسبة النفط الخام المتدفق عبر مضيق هرمز إلى آسيا 84% تقريبا، و83% من الغاز الطبيعي المسال المتدفق إلى آسيا مر عبر نفس المضيق، إلى وجهات رئيسة مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، ووفق أرقام “هيئة معلومات الطاقة الأمريكية”.
وقدر محللون من “كابيتال إيكونوميكس” أن ارتفاع سعر خام برنت إلى 100 دولار للبرميل قد يزيد التضخم العالمي بنسبة تتراوح بين 0.6% و0.7%.
ولن تقتصر المتاعب على الجانب الأسيوي، على حد تأكيد “فاينانشيال تايمز”، بل ستشعر أوروبا أيضا بتأثير ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المسال، على الرغم من أن “البنك المركزي الأوروبي” قد يبقي على سياسته النقدية الحالية نظرا لأن معدل التضخم في منطقة اليورو أقل من المستويات المستهدفة.
في المقابل، قد يضطر “بنك إنجلترا” المركزي إلى اتخاذ إجراءات أسرع في حال حدوث ارتفاع مفاجئ في أسعار النفط. وتشير كبيرة الاقتصاديين في “سانت جيمس بليس”، هيتال ميهتا، إلى أنه في حين أن الاستجابة المعتادة هي “التغاضي” عن مثل هذه الزيادات، فإن “لجنة السياسة النقدية” في البنك البريطاني تواجه تعقيدات بسبب تباين الآراء بشأن تخفيضات أسعار الفائدة المحتملة.
وتنتقل الصحيفة إلى استعراض تأثيرات الهجوم على إيران على أسواق المال العالمية، مؤكدة أن إطالة أمد الصراع وتفاقمه قد يزيد من حالة عدم اليقين القائمة في الأسواق العالمية، التي كانت تعاني بالفعل من ضغوط كبيرة، بما في ذلك عمليات بيع ملحوظة في أسهم البنوك الأمريكية وانخفاضات مستمرة في أسهم شركات التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتنقل فاينانشيال تايمز عن المحلل الاقتصادي في شركة “تي روي برايس”، توماتز فيلاديك، توقعاته بأن استمرار الأزمة قد يزعزع استقرار أسواق الطاقة، مما يضر بثقة السوق ويقلل من معنويات الشركات والاستثمار. ويقول “إن هناك اعتقادا بأن هناك الكثير من الصدمات التي تضرب في آن واحد. لدينا فنزويلا، وجرينلاند، والرسوم الجمركية، والآن إيران، كل ذلك في غضون شهرين”.
ومع ذلك، لا يزال بعض المحللين متفائلين، ووفقا لكبير الاقتصاديين في “أوكسفورد إيكونوميكس”، إينيس مكفي، فإنه “برغم سلسلة الصدمات الجيوسياسية الأخيرة، فإن مستوى النمو في الاقتصاد والتجارة العالميين أظهر مرونة وقوة لا تصدق”.
المصدر : أ ش أ

