التاسع من مارس، يوم لا يمر عاديا على الذاكرة المصرية.. حيث تتبدل إيقاعات المشهد، وتستعيد الدولة واحدا من أنقى معانيها، معنى أن يكون للوطن أبناء يدافعون عنه بأرواحهم، وأن تكون للكرامة تكلفة لا تدفع إلا بالدم.
يوم لا يحتفل فيه بقدر ما يستحضر، ولا يروى فيه التاريخ باعتباره ماضيا منتهيا، بل باعتباره حاضرا ممتدا في وجدان الأمة، يذكرها بأن بقاء الدولة لم يكن يوما أمرا عابرا، وأن الأمن والسيادة والاستقرار تمت صياغة أولى سطورها فوق جبهات القتال.
إنه “يوم الشهيد” الذي لا يعد مناسبة رمزية، ولا ذكرى عسكرية فحسب، بل محطة وطنية تتلاقى فيها ذاكرة الجيش مع ضمير المجتمع، ويتجدد خلالها العهد بأن تظل تضحيات الشهداء حاضرة في القرار، وفي الوعي، وفي مسار الدولة نحو المستقبل.
ويرتبط هذا اليوم في الوعي الجمعي باسم الفريق أول عبد المنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق، الذي لم يكتف بالتخطيط من غرف القيادة، بل اختار أن يكون بين جنوده في الصفوف الأمامية، حيث الخطر الحقيقي، وحيث تختبر معاني القيادة والمسؤولية.
قائد آمن بأن المعركة لا تدار من بعيد، وأن الروح المعنوية لا ترفع بالكلمات، بل بالحضور والمشاركة وتحمل المصير نفسه.
ففي مثل هذا اليوم من عام 1969، ارتقى الفريق أول عبد المنعم رياض شهيدا على جبهة القتال خلال حرب الاستنزاف، ليكتب بدمه فصلا خالدا في تاريخ العسكرية المصرية، ويؤسس لمعنى لم يغادر عقيدة الجيش: أن القائد أول من يتقدم، وآخر من يغادر، وأن الشهادة ليست نهاية الطريق، بل ذروة العطاء.
في الثامن من مارس 1969، حققت المدفعية المصرية نتائج مؤثرة خلال قصفها لنقاط العدو على خط بارليف، في واحدة من معارك حرب الاستنزاف التي أعادت للجيش ثقته بنفسه بعد نكسة 1967.
وفي اليوم التالي، قرر الفريق أول عبد المنعم رياض أن يتفقد المواقع الأمامية بنفسه، ليشد من أزر الضباط والجنود، ويقف على نتائج المعركة عن قرب.
وصل رئيس الأركان إلى مقر قيادة الجيش الثاني، ثم تحرك فورا إلى الجبهة، وأصر على زيارة أكثر المواقع تقدما، تلك التي لا يفصلها عن العدو سوى عرض قناة السويس.
تنقل بين الخنادق، تحدث مع الجنود، استمع إليهم، وشارك في توجيه وإدارة المعركة النيرانية، إلى جوار قائد الجيش ومدير المدفعية.
لم تمض دقائق حتى انهالت نيران المدفعية الإسرائيلية على الموقع المتقدم، وتجدد تبادل القصف بعنف.
وأثناء متابعته لمسار القذائف، سقطت دانة مدفعية قرب الخندق الذي كان يتحصن فيه، فانفجرت الشظايا داخله، ليسقط الفريق أول عبد المنعم رياض شهيدا، ويحمل جثمانه على عربة عسكرية إلى مستشفى الإسماعيلية، ثم إلى مستشفى المعادي العسكري بالقاهرة.
لم يكن استشهاد عبد المنعم رياض حدثا عابرا في سجل المعارك، بل لحظة فارقة جسدت معنى القيادة بالقدوة، ورسخت عقيدة راسخة في وجدان العسكرية المصرية، قوامها أن القائد في الصفوف الأولى، وأن الشهادة شرف لا ينال بالكلمات.
الفريق عبد المنعم رياض، الذي لقب بـ “الجنرال الذهبي”، يعد واحدا من أبرز القادة العسكريين العرب في النصف الثاني من القرن العشرين.
ولد في 22 أكتوبر عام 1919 بقرية “سبرباي” في طنطا، ونشأ في بيت عسكري، فالتحق بالكلية الحربية وتخرج فيها عام 1938، ثم حصل على الماجستير في العلوم العسكرية بترتيب الأول، وأتم دراسته في إنجلترا والاتحاد السوفييتي بتفوق لافت.
شارك في الحرب العالمية الثانية، وحرب فلسطين 1948، والعدوان الثلاثي 1956، وحرب 1967، وأسهم في إعادة بناء القوات المسلحة بعد النكسة، عقب تعيينه رئيسا لأركان الحرب في يونيو 1967.
كما كان أحد العقول العسكرية التي وضعت الأسس التخطيطية لمعركة العبور، وصمم “الخطة 200” التي طورت لاحقا لتصبح نواة خطة حرب أكتوبر.
رأى عبد المنعم رياض أن النصر لا يتحقق بالسلاح وحده، بل بإستراتيجية شاملة تراعي البعد الاقتصادي والمعنوي، وهو ما جعله نموذجا للقائد المفكر، لا مجرد رجل ميدان.
بعد استشهاده، شيعت مصر بطلها في جنازة عسكرية مهيبة، حضرها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكبار قادة القوات المسلحة.
وحصل على أرفع الأوسمة والأنواط، وأطلق اسمه على ميادين وشوارع داخل مصر وخارجها، أبرزها ميدان عبد المنعم رياض بوسط القاهرة، الذي يقف شاهدا على خلود الاسم والمعنى.
ومنذ انتصار أكتوبر، تقرر أن يكون التاسع من مارس “يوم الشهيد”، تخليدا لذكرى هذا القائد، وتكريما لكل من ضحوا بأرواحهم دفاعا عن الوطن.
وفي هذا اليوم، تؤكد القوات المسلحة وفاءها لأبطالها، عبر رعاية أسر الشهداء والمصابين، وتقديم الدعم الكامل لهم، باعتبارهم جزءا أصيلا من نسيج الوطن.
كما يولي السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، اهتماما خاصا بتخليد أسماء الشهداء، وإطلاقها على المشروعات القومية، وتأسيس صندوق رعاية شهداء وضحايا العمليات الحربية والأمنية، لضمان حياة كريمة لأسرهم.
يوم الشهيد ليس ذكرى حزن، بل مناسبة فخر.. فدماء الشهداء كانت وما زالت وقود الانتصار، وأساس البناء، وسر بقاء الدولة وصون كرامتها.
وفي كل عام، يتجدد العهد بأن تظل العسكرية المصرية رمزا للفداء، وأن يبقى الوطن وفيا لمن كتبوا تاريخه بدمائهم.
المصدر: أ ش أ

