على بعد نحو 7 كيلومترات شرق العاصمة الأردنية عمان، وتحديدا في منطقة الرقيم، يقع موقع كهف أهل الكهف، أحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية في الأردن، والذي يرتبط بقصة الفتية الواردة في القرآن الكريم في سورة الكهف.
وتحظى القصة بحضور متجدد في وجدان المسلمين، إذ تتلى آياتها أسبوعيا كل يوم جمعة ضمن قراءة سورة الكهف، ما يجعل الموقع مرتبطا بعبادة دورية متكررة، تتجدد معها معاني الثبات والإيمان في الوعي الديني.
ويعد الموقع مقصدا لزوار من داخل الأردن وخارجه، خاصة من الدول الإسلامية، نظرا لارتباطه بالقصة القرآنية التي تحكي عن فتية آمنوا بربهم فلجؤوا إلى الكهف، فأنامهم الله ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا.
وأعيد اكتشاف كهف أهل الكهف والتعريف به رسميا في عام 1951 على يد الصحفي الأردني تيسير ظبيان، بعد أن كان معروفا محليا دون توثيق رسمي أو دراسة منهجية، ما ساهم في جذب الانتباه إلى أهميته ، حيث قام عالم الآثار الأردني رفيق وفا الدجاني في عام 1963 بالدراسات والتنقيبات العلمية في الموقع، ما أتاح توثيقه رسميًا ضمن البحوث الأثرية وأكد أهميته التاريخية والدينية.
المنطقة المحيطة بالكهف تضم شواهد أثرية تعود إلى عصور مختلفة، من الحقبة الرومانية والبيزنطية وصولا إلى العهد الإسلامي، وتشير بقايا الأعمدة الحجرية والنقوش وبعض أرضيات الفسيفساء إلى أن الموقع ظل محل اهتمام عبر التاريخ.
ويتكون الكهف من غرفة رئيسية منحوتة في الصخر، وتظهر داخله قبور حجرية يشار إلى أنها تعود إلى الفتية.
ووفق القائمين على الموقع، فقد جمعت الرفات والعظام في موضع واحد داخل أحد القبور حفاظا عليها، بينما بقيت بقية القبور كمعالم حجرية ظاهرة تعكس طبيعة المكان القديمة، وهو ما يمنح الزائر صورة أقرب لطبيعة الدفن في تلك الفترات التاريخية.
ومن أبرز معالم المكان، المسجد المقام أعلى الكهف، والذي تشير الدراسات إلى أن أقدم أجزائه تعود إلى العصر الأموي، ليكون شاهدا على اهتمام المسلمين المبكر بالموقع وترسيخ مكانته الدينية منذ القرون الأولى للإسلام.
كما أُقيم مسجد حديث بجواره لاستقبال المصلين والزوار، ليبقى الموقع حيا دينيا، لا يقتصر على كونه أثرا تاريخيا فقط، بل مساحة عبادة قائمة حتى اليوم، خاصة مع توافد الزوار أيام الجمعة والمواسم الدينية.
وفي هذا السياق، قال إمام مسجد أهل الكهف الداعية معتصم الحنيطي إن الموقع يحظى باهتمام واسع من الزوار والباحثين، مؤكدا أن العديد من الدراسات تناولت الكهف من منظور ديني وتاريخي.
وأوضح أن من أبرز الدلالات المرتبطة بالموقع اسم منطقة “الرقيم” الوارد في النص القرآني، إضافة إلى اتجاه فتحة الكهف بما يتوافق مع وصف حركة الشمس في الآيات، فضلا عن وجود القبور الحجرية داخله، والمسجد المقام فوقه.
وأشار إلى أن الموقع شهد تعاقب حضارات مختلفة تركت بصماتها المعمارية، ما يعكس مكانته عبر العصور، مؤكدا أن المسجد المجاور يؤدي دورا مهما في استقبال الوفود وتنظيم الزيارات الدينية.
ويوجد بداخل الكهف خزانة بها آثار قديمة لأناس عاشوا بعد أصحاب الكهف، وهي عبارة عن أباريق وجدت بساحة المسجد العلوي وبقايا شجرة زيتون رومانية قبل 2000 عام وحجر قبل 1800 عام عليه كتابات لاتينية قديمة.
يذكر أن كهف الرقيم هو عبارة عن كهف ضمن سلسلة من الكهوف بمنطقة كانت تعتبر في العصر الروماني أي ما يعادل القرن الأول والثاني الميلادي، أماكن للدفن ، وكان القانون الروماني يمنع الدفن داخل المدن وبالتالي كان مسموحا به خارج المدن وعليه فإن كهف الرقيم واحد من هذه المدافن الرومانية القديمة التي تم استخدامها .
ويواصل كهف “أهل الكهف” استقباله للزوار على مدار العام، حيث يجمع الموقع بين البعد الروحي والقيمة الأثرية، في نموذج يعكس تداخل التاريخ بالدين في واحدة من أبرز المناطق ذات الرمزية الدينية في الأردن، لتبقى القصة التي تقرأ كل جمعة حاضرة في مكان ينسب إليها، بين الصخر والنص والتاريخ.
المصدر: وكالة أنباء الشرق الأوسط ( أ ش أ )

