في الشرق الأوسط اليوم، لم تعد الحروب تُقاس بعدد الطائرات أو الصواريخ التي تنطلق في السماء، ولا بعدد الجنود الذين يتحركون على الأرض، بل بعدد الأنظمة الرقمية التي تم اختراقها قبل أن يدرك أحد أن المعركة قد بدأت بالفعل.
فقد تغيرت طبيعة الصراع جذرياً، وانتقل من ساحات المواجهة التقليدية إلى فضاء غير مرئي تتحكم فيه الخوارزميات، وتُدار فيه المعارك من خلف الشاشات، دون ضجيج أو إعلان رسمي.. فما القصة؟
يقول خبراء إن الصراع الحديث لم يعد يبدأ من الجبهة الأمامية، ولا تُطلق شرارته الأولى بعمل عسكري مباشر، بل ينطلق من عمق البنية الرقمية التي تقوم عليها الدول والمؤسسات الحيوية و تلك البنية تشمل شبكات الاتصالات، ومنصات البيانات، وأنظمة التشغيل، ومزودي الخدمات التقنية، وسلاسل التوريد الرقمية التي باتت العمود الفقري للاقتصاد والأمن والإدارة.
وفي هذا السياق تحولت سلاسل التوريد الرقمية من عنصر دعم وتشغيل إلى ساحة صراع رئيسية، تُستهدف فيها الحلقة الأضعف لإحداث أثر استراتيجي واسع يفوق حجم الهجوم ذاته.
مراقبون أكدوا أن الحروب غير المعلنة أصبحت تُدار عبر اختراقات صامتة، وتلاعب ممنهج بالأنظمة، وتعطيل تدريجي للخدمات، في محاولة لإرباك مراكز القرار وزعزعة الثقة في قدرة الدول على حماية فضائها الرقمي.
فمع تصاعد الاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بات استهداف هذه السلاسل الرقمية بمثابة ضربة استباقية تمهّد لأي تصعيد لاحق، أو قد تغني عنه تمامًا، في معادلة جديدة تعيد تعريف مفهوم القوة والنفوذ في الشرق الأوسط المعاصر.
ويعتقد الخبراء أن أخطر ما نشهده حاليًا هو هذا التحول النوعي في طبيعة الصراع، إذ لم يعد الهدف هو التدمير المباشر، بل إضعاف الثقة، وإرباك القرار، وضرب الاستقرار من الداخل دون إطلاق رصاصة واحدة، لافتاً إلى أن الدول لا تُخترق اليوم عبر هجوم سيبراني مباشر على أنظمتها الحساسة، بل من خلال حلقات تبدو بعيدة ظاهريًا عن ساحة الصراع، مثل موردي البرمجيات، وشبكات الاتصالات، ومنصات الحوسبة السحابية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وحتى التحديثات الأمنية نفسها.
المصدر: وكالات

