رأى الكاتب والباحث في الشؤون الاستراتيجية زاكاري بايكين، الزميل الباحث في معهد كوينسي العالمي للحكم الرشيد، أن مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تسوية الحرب في أوكرانيا، تمثل فرصة استراتيجية نادرة لأوروبا، رغم أنها مهددة بالضياع إذا واصل الاتحاد الأوروبي سوء تقدير الدوافع الأمريكية والتعامل معها بمنطق تقليدي لم يعد صالحًا في عالم يتغير بسرعة.
وأشار بايكين، في مقاله الذي نشرته مجلة “بوليتيكو” المختصة في الشأن الأوروبي، إلى أنه مرّ أكثر من ست سنوات منذ أن أعلن الممثل الأعلى السابق للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل أنه يتعين على أوروبا أن تتعلم “لغة القوة”، إلا أن استجابة الاتحاد للتحولات الجيوسياسية العميقة الراهنة توحي بأن هذا الدرس لم يُستوعب بعد.. فتعامل أوروبا مع العمليات الروسية في أوكرانيا اتخذ طابعًا معياريًا صرفًا، استبعد منذ البداية البحث عن مخرج تفاوضي مقبول للطرفين أو أية تسوية مع موسكو؛ ما أدى في النهاية إلى زيادة اعتماد أوروبا أمنيًا على الولايات المتحدة، وتعميق هشاشتها في مواجهة تنافس القوى الكبرى في نظام دولي سريع التحول، ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، رأى الكاتب أن أوروبا زادت من تفاقم هذا الخطأ الاستراتيجي بدل تصحيحه.
وذكر الكاتب أن الاتحاد الأوروبي بدد ما تبقى من “قوته المعيارية” قبل أن ينجح في بناء أدوات قوة صلبة؛ ما جعله أكثر عزلة على الصعيد الاستراتيجي.. فاليوم، لم يعد كثيرون مقتنعين بأن حق أوكرانيا في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) يمثل جزءًا مقدسًا من “النظام الدولي القائم على القواعد”، خصوصًا في ظل استعداد أوروبا للتعامل بمرونة شديدة مع القانون الدولي في ردودها على ضربات موجهة إلى فنزويلا أو إيران، كما يصبح من الصعب، وفق الكاتب، الدفاع عن فكرة أن مستقبل جرينلاند يجب أن يقرره سكانها والدنماركيون، بينما لا يُطبّق المعيار نفسه على سكان غزة.
لكن الخطر الأكبر، بحسب بايكين، يكمن في فشل أوروبا في فهم ما يقف خلف إصرار ترامب على الدفع نحو السلام في أوكرانيا؛ ما قد يحرمها من فرصة تطوير مرونة دبلوماسية وقدرات قوة صلبة تمكّنها من التكيف مع عالم ما بعد الأحادية القطبية..فبعد ثلاثة عقود من افتراض الغرب الليبرالي، على نحو خاطئ، أن بإمكانه فرض معاييره ومبادئه على النظام الدولي من جانب واحد، يسعى ترامب إلى إعادة ضبط قواعد علاقات القوى الكبرى، وفي حالات مثل فنزويلا وجرينلاند، يريد إعادة تعريف ما هو مقبول داخل ما تعتبره الولايات المتحدة مجالها الحيوي.
ومع ذلك، حذر الكاتب من تفسير هذه الرؤية على أنها عودة مباشرة إلى عالم قائم على مناطق نفوذ مغلقة..فواشنطن، في نظره، باتت مضطرة إلى تعظيم هامش المناورة في علاقاتها مع القوى الكبرى الأخرى، لأنها لم تعد قادرة، مع حلفائها، على فرض شروط النظام الدولي وحدها، وهذا يتطلب السعي إلى تجنب دفع موسكو وبكين إلى تقارب استراتيجي أعمق، حتى وإن كانت لدى روسيا حوافز للحفاظ على علاقات مستقرة مع الصين الصاعدة.
ومن هذا المنطلق، اعتبر بايكين أن الولايات المتحدة بحاجة إلى إعادة ضبط علاقتها مع روسيا، وهو أمر لا يستلزم بالضرورة إضفاء شرعية على منطق مناطق النفوذ..غير أن هذه المهمة تبقى مستحيلة دون تسوية الخلافات بين موسكو وواشنطن حول أوكرانيا، فإذا خلصت روسيا إلى أن التوصل إلى تسوية تفاوضية بات مستحيلًا، فإن القتال سيستمر مهما كانت الكلفة، إما حتى الإنهاك المتبادل أو عبر تصعيد قد يهدد أمن أوروبا بشكل خطير، وفي كلتا الحالتين ستتلاشى الظروف السياسية التي تسمح بإعادة ضبط العلاقات الأمريكية – الروسية، ولهذا السبب، وفقًا للكاتب، ظل ترامب مصممًا على السعي إلى السلام في أوكرانيا رغم العقبات المتكررة.
ولكن استجابة أوروبا لهذه المبادرة، بحسب المقال، أخفقت في رؤية الصورة الأوسع وركزت على التفاصيل على حساب الاستراتيجية..ففي كثير من الأحيان، سعى الاتحاد إلى إدخال “شروط مفخخة” في مسار التفاوض، متجاوزًا الخطوط الحمراء الروسية، كما حدث مع مقترح “تحالف الراغبين” بشأن نشر قوة ردع على الأراضي الأوكرانية، وربما يعود ذلك، كما يرى الكاتب، إلى صعوبة تقبّل فكرة إبرام اتفاق يكرس تسوية بشأن التوجه الأمني لدولة تقع على حدود روسيا، بعد عقود من إبلاغ موسكو بأنها لا تملك أي رأي في هذا الشأن، وربما، وبصورة أكثر براجماتية أو تشاؤمًا، يكون الهدف كسب الوقت لبناء القدرات العسكرية الأوروبية وتأجيل استحقاق فاتورة إعادة إعمار أوكرانيا.
وخلص بايكين إلى أن تجاهل التسويات الضرورية لتحقيق السلام سيشكّل فرصة ضائعة كبرى لأوروبا..مؤكدًا أن التوصل إلى تسوية وسط لا يمنع كييف من الانضمام مستقبلًا إلى الاتحاد الأوروبي، ولا يحول دون بناء ترتيبات أمنية وتعاون استخباراتي وصناعي دفاعي فعّال مع الغرب، كما أن استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب، رغم ما يعتريها من عيوب، واضحة في رغبتها بأن تعتمد الدول الأوروبية على نفسها بوصفها المزود الرئيس للأمن في القارة، ومن شأن إنهاء الحرب، وفق الكاتب، أن يخدم هذا الهدف عبر جعل الدور الأمريكي الداعم لأمن أوكرانيا دورًا تكميليًا ومحددًا بوضوح، بدل أن يظل عبئًا مفتوحًا بلا أفق.
المصدر : أ ش أ

