ذكرت صحيفة الدستور الأردنية في مقال للكاتب إسماعيل الشريف أن إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة لا يمكن أن ينتظر وقف إطلاق النار، ولا يجوز أن يكون خاضعًا لأي أجندات سياسية، فالمدنيون بحاجة فورية للمساعدات الغذائية والطبية.
وكان الكيان الصهيوني، قد أعلن اعتبارًا من يناير الجاري حظر عمل سبعةٍ وثلاثين منظمةً إغاثية في فلسطين المحتلة، متذرّعًا بحجج واهية، من بينها اتهامها بارتباطات بحماس، أو الإضرار بما يسمّيه «الأمن القومي»، أو الادعاء بأنها تعرقل العمليات العسكرية، فضلًا عن عدم امتثالها لنظام تسجيل جديد. وقد فرض الكيان، بموجب هذا النظام، آلية صارمة للتسجيل والتدقيق، تُلزِم المنظمات بتقديم إفصاحات تفصيلية عن أسماء موظفيها، بمن فيهم الفلسطينيون، ومصادر تمويلها، وشركائها المحليين، إضافةً إلى تفاصيل عملياتها الميدانية، ما أفضى، وفق هذه المعايير، إلى تعليق تراخيص تلك المنظمات.
وفي كيانٍ يمارس الإبادة الجماعية منذ قرن، ويتأسس على الفصل العنصري والاستعمار والتعذيب واغتصاب السجناء، لا يبدو قرار حظر منظمات الإغاثة رغم كونه سابقة تاريخية أمرًا مستغربًا. فهو امتداد طبيعي لسياسات راسخة، بدأت بمنع الصحفيين الدوليين من دخول مسرح الإبادة في غزة، وتواصلت باستهداف وقتل الصحفيين وعمال الإغاثة. هكذا يتصرّف الإرهابيون، وهكذا يتصرّف هذا الكيان.
وقد شكّلت منظمة أطباء بلا حدود نموذجًا صارخًا لما أراد الكيان إسكاتَه؛ إذ كانت من أبرز المنظمات التي أعلنت، خلال العام الماضي، وقوع إبادة جماعية في غزة، ووثّقت سلسلة واسعة من المجازر، وفي مقدمتها ما عُرف بـ«صندوق غزة الإنساني». كما كانت السباقة في كشف الشهادات المروّعة عن اقتحام الجنود الصهاينة لمستشفيات سبق أن استُهدفت بالقصف، مفضوحةً معها أكذوبة الادعاء بأن تلك المستشفيات تُستخدم كمراكز قيادة لحماس. ولم يكتفِ أعضاء المنظمة العاملون في غزة بالتوثيق الميداني، بل نقلوا شهاداتهم عن المذابح المروّعة إلى الصحافة الغربية، ففضحوا رواية الكيان.
ولذلك، لم يكن إخراج هذه المنظمة وغيرها من المشهد سوى خطوة متوقعة، تُمكّن الكيان من مواصلة الإبادة في صمتٍ وظلام، بلا شهود ولا مساءلة، على نحوٍ يذكّر بمشاهد أفلام المافيا، حين يُصفّى الشهود قبل وصولهم إلى قاعات المحاكم، كي تُطمس الجرائم ويُدفن الدليل.
وفي هذا السياق، تحذّر هذه المنظمات اليوم من أن قرار حظرها سيُفاقم أزمة وصول الغزيين إلى الرعاية الطبية والإنسانية، في لحظةٍ تشهد فيها مؤسسات غزة انهيارًا شبه كامل، ما ينذر بكارثة إنسانية أوسع نطاقًا.
المصدر : وكالة أنباء الشرق الأوسط (أ ش أ)

