ولى العهد السعودى يبدأ زيارة رسمية إلى باريس تستمر يومين
في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وغياب مسار واضح للتسوية، يبدأ ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، اليوم الأحد، زيارة رسمية إلى باريس تستمر يومين، حاملةً في طياتها ملفات سياسية وأمنية واقتصادية، إذ تتطلع فرنسا والمملكة العربية السعودية إلى تكثيف تنسيقهما لمواجهة تداعيات الأزمة الإقليمية، وفي مقدمتها الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز، وانعكاساتهما على أمن واستقرار المنطقة والملاحة الدولية وأسواق الطاقة العالمية.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة، ليس فقط لتزامنها مع مرحلة إقليمية بالغة الحساسية، وإنما أيضًا باعتبارها أول زيارة خارجية لولي العهد السعودي منذ زيارته إلى واشنطن في نوفمبر 2025.
وبحسب مصدر في قصر الإليزيه، فإن اختيار الأمير محمد بن سلمان فرنسا لزيارته الخارجية الأولى منذ ذلك الحين يمثل «إشارة مهمة وبادرة قوية» تعكس ديناميكية العلاقات بين باريس والرياض، ولا سيما في سياق إقليمي وصفه المصدر الرئاسي بأنه «ليس بالهيّن على الإطلاق»، في ظل أزمة مستمرة منذ أشهر «لا تلوح آفاق واضحة للخروج منها».
وتفرض تطورات الأزمة الإقليمية نفسها بقوة على جدول أعمال اللقاء بين الرئيس الفرنسي وولي العهد السعودي؛ إذ ستتناول المباحثات الحرب مع إيران وتداعيات إغلاق مضيق هرمز وسبل الخروج من الأزمة، إلى جانب أمن الملاحة وإمدادات الطاقة.
وفي هذا السياق، يبرز التعاون الفرنسي-السعودي بشأن تنويع طرق الإمداد في مجالات الطاقة واللوجستيات والتجارة باعتباره أحد أبرز محاور الزيارة. وأوضح مصدر الإليزيه أن باريس والرياض أنشأتا فريق عمل ثنائيًا معنيًا بالربط الطاقوي واللوجستي بين الشرق الأوسط وأوروبا، ومن المقرر أن يجتمع غدًا الاثنين على المستوى الوزاري، بعد إحراز تقدم بشأن عدد من المشروعات ذات الأولوية التي يسعى الجانبان إلى دعمها.
وفي موازاة ذلك، ستتناول المباحثات الفرنسية-السعودية ملفات إقليمية أخرى ذات اهتمام مشترك، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومسار التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، عقب مرور عام على إعلان نيويورك بشأن حل الدولتين، إلى جانب الأوضاع في لبنان وسوريا.
وأكد مصدر الإليزيه أن الملف اللبناني سيُطرح خلال المباحثات، لافتاً إلى توافق باريس والرياض على أهمية الحفاظ على سيادة لبنان ودعم سلطاته، في وقت يشهد فيه الملف اللبناني تطورات متواصلة. وفي الملف السوري، أشار المصدر إلى أن دمشق تمثل حلقة مهمة ضمن مسارات الربط الطاقوي واللوجستي التي تعمل عليها باريس مع الرياض عن كثب.
وتشهد الزيارة محطة مؤسسية بارزة تتمثل في انعقاد أول اجتماع لمجلس الشراكة الاستراتيجية الفرنسي-السعودي، الذي تقرر إنشاؤه خلال زيارة الرئيس ماكرون إلى الرياض في نهاية عام 2024. وأوضح مصدر مطلع أن عدم انعقاد المجلس في وقت سابق لا يعني توقف الاتصالات الثنائية، بل استمرت أعمال اللجان الوزارية الفرعية في مجالات عدة، من بينها الطاقة والثقافة، إلى جانب التواصل المنتظم بين الرئيس الفرنسي وولي العهد السعودي. وأضاف أن الزعيمين تحدثا قبل أيام قليلة من الزيارة، مؤكدًا أن العلاقات بينهما تتسم باتصالات «سلسة» و«وثيقة جدًا».
وتبدأ الزيارة، اليوم، بمشاركة الرئيس ماكرون والأمير محمد بن سلمان في حفل ختام كأس العالم للرياضات الإلكترونية، التي تُقام في باريس، في أول نسخة لها خارج السعودية منذ انطلاقها، في فعالية تجسد، بحسب ما أكد قصر الإليزيه في بيان له، «الطموح المشترك لفرنسا والمملكة العربية السعودية في جعل الرياضة والثقافة وسيلتين لتقريب المسافات بينهما»، وذلك قبل أن تنتقل الزيارة، غدًا الاثنين، إلى شقها الرسمي، مع إجراء المباحثات الثنائية السياسية والاقتصادية.
وفي الجانب الاقتصادي، يعقد رؤساء وكبار مسؤولي الشركات الفرنسية لقاءً مع الوفد الوزاري والاقتصادي السعودي المرافق لولي العهد، بمشاركة ممثلين لقطاعات السياحة والثقافة والترفيه والطاقة والذكاء الاصطناعي والرياضات الإلكترونية والمشروعات الصناعية الكبرى.
ويأتي ذلك في إطار سعي البلدين إلى تعزيز أوجه التكامل بين «رؤية السعودية 2030» وبرنامج «فرنسا 2030» الاستثماري، في وقت تسعى فيه باريس إلى استقطاب مزيد من الاستثمارات السعودية. ومن المتوقع أن يجدد الرئيس الفرنسي، في ختام المنتدى الاقتصادي، دعوته إلى تعزيز الاستثمارات السعودية في فرنسا، في أعقاب إعلان صندوق الاستثمارات العامة السعودي عزمه فتح مكتب في باريس، إلى جانب بحث مشاركة الشركات والخبرات الفرنسية في معرض «إكسبو 2030» المقرر تنظيمه في الرياض.
كما يُنتظر أن تشهد زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية في مجالات متنوعة، من بينها الحوسبة الكمية والنقل والطاقة والصحة، إلى جانب اتفاقيات ثنائية أخرى تعكس تنوع الشراكة بين البلدين.
ولا يغيب البعد الثقافي عن جدول أعمال الزيارة، في ضوء الشراكة الفرنسية-السعودية القائمة منذ نحو عقد في «مشروع العُلا»، الذي يمثل أحد أبرز نماذج التعاون بين البلدين في المجالين الثقافي والسياحي. ومن المقرر أن يبحث مسؤولو البلدين توسيع هذه الشراكة لتشمل مجالات إضافية، في إطار حرص باريس والرياض على جعل الثقافة أحد روافد شراكتهما الاستراتيجية.
ومع استمرار تداعيات إغلاق مضيق هرمز، تبرز أيضًا مشروعات لإنشاء مسارات بديلة للنقل والطاقة والتجارة، تشمل طرقًا بحرية ومينائية بديلة، ولا سيما عبر الموانئ العُمانية التي لا تطل على الخليج، إلى جانب مشروعات خطوط الأنابيب والسكك الحديدية. وفي هذا الصدد، أوضح مصدر في الرئاسة الفرنسية أن فرنسا ساهمت في هذا الموضوع خلال زيارة السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان إلى باريس في نهاية يونيو، مع الإعلان عن تعزيزات تجارية في مختلف الموانئ العُمانية، بما يتيح الالتفاف حول مضيق هرمز، نظرًا إلى أن هذه الموانئ لا تطل على الخليج.
وتأتي هذه المساعي امتدادًا لموقف سبق أن أعلنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أكد في تصريحات له في يونيو الماضي ضرورة تقليص الاعتماد على مضيق هرمز والبحث عن مسارات بديلة، مشيرًا إلى أهمية تطوير خطوط أنابيب عبر الأراضي السعودية وصولًا إلى البحر الأحمر، بما يتيح الربط، عبر مصر، مع البحر الأبيض المتوسط.
ويرى الجانب الفرنسي أن التحدي يتمثل في تحديد المشروعات الأكثر استراتيجية وقابلية للتنفيذ، وتأمين التمويل اللازم لها، مؤكدًا أن هذه المسارات أصبحت خلال الأشهر الماضية أحد المحركات الرئيسية للعمل المشترك مع دول المنطقة.
وبين تداعيات الحرب الإقليمية وملفات التعاون، تعكس زيارة ولي العهد السعودي إلى باريس رغبة مشتركة لدى فرنسا والمملكة العربية السعودية في توسيع شراكتهما إلى آفاق أوسع، بما يجمع بين البحث عن مخارج للأزمات الراهنة والاستعداد لتحولات اقتصادية وجيوسياسية جديدة تشهدها المنطقة.
المصدر : أ ش أ
