رأت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، اليوم الأربعاء، أن تطورات الأوضاع في إيران، في ظل الاحتجاجات الواسعة والقمع العنيف الذي يواجهها، تثير مخاوف من إمكانية تكرار سيناريو شبيه بما جرى في فنزويلا، حيث انتهت التحركات السياسية بتفاهمات دولية همّشت المعارضة الديمقراطية.
وأشارت الصحيفة إلى أن تشديد الضغوط الأمريكية، إلى جانب العقوبات الخانقة والأزمة الاقتصادية المتفاقمة داخل إيران، قد يدفع النظام إلى البحث عن تسوية مع واشنطن، وهو مسار يحذر محللون من أنه قد لا يحقق تطلعات المحتجين، ويعكس تعقيدات المشهد الدولي وحدود الرهان على التدخل الخارجي.
وأوضحت أنه بالنظر إلى السرعة المذهلة للتطورات الأخيرة، فإن حدثاً وقع قبل أسبوع واحد فقط بات قادراً على تقديم سابقة لما تشهده اضطرابات أحدث.
ففي الوقت الذي تتواصل فيه الاحتجاجات ضد النظام الإيراني في مواجهة عنف مروع، يُعتقد أن آلاف المتظاهرين ربما
قُتلوا، يتابع عدد من المحللين المعنيين بالشأن الإيراني خطوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فنزويلا هذا الشهر، بحثاً عن مؤشرات لما قد تحمله الأيام المقبلة.
وذكرت أنه في الثالث من يناير الجاري، أمر ترامب بتنفيذ عملية جريئة للقوات الأمريكية الخاصة، أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الاحتجاز في نيويورك، منهياً فعلياً 13 عاماً من حكمه، مشيرة إلى هذه الخطوة شكلت زلزالاً جيوسياسياً، وعبرت بأوضح صورة عن طموح ترامب للهيمنة في نصف الكرة الغربي، فيما امتدت تداعياتها إلى مناطق بعيدة مثل جرينلاند وإيران.
وجدد ترامب، يوم أمس الثلاثاء، دعمه للانتفاضة، داعياً الاحتجاجات المناهضة للحكومة إلى السيطرة على مؤسسات الدولة، ومشدداً في الوقت ذاته على أن المساعدة في الطريق. وفي هذا السياق، يلوح شبح عمل عسكري أمريكي في الأفق حسبما ذكرت الصحيفة.
ورغم وجود اختلافات واضحة بين الظروف السياسية في البلدين، وكذلك في هامش المناورة المتاح للولايات المتحدة في كل من الحالتين، فإن حماسة ترامب لفرض إرادته خارجياً -في تحدٍ للقانون الدولي وللضوابط التشريعية في الداخل- تبدو جلية.
ومع ذلك، فإن النهاية التي تلوح في الأفق في كراكاس، والتي شهدت تعاون ترامب مع بقايا نظام مادورو وتهميش المعارضة الفنزويلية المؤيدة للديمقراطية، قد تمثل قصة تحذير لمحتجي إيران.
وقالت كيرستن فونتنروز، الزميلة الأولى غير المقيمة في المجلس الأطلسي، والتي ساعدت في تنسيق سياسة الشرق الأوسط في البيت الأبيض خلال الولاية الأولى لترامب:”إن حالة مادورو ذات أهمية استراتيجية أقل بوصفها نموذجاً يُحتذى، وأكثر باعتبارها إشارة”.
وأضافت: “إنها تشير إلى استعداد الولايات المتحدة للتحرك الحاسم ضد قادة سبق تجريمهم وفرض عقوبات عليهم، بدلاً من السماح باستمرار حالات الجمود على افتراض أن خطر التصعيد وحده كفيل بردع التحرك”.
وقُتل مئات الإيرانيين في أنحاء البلاد وسط احتجاجات واسعة ضد النظام.
ويرى محللون أن النظام فقد شرعيته، وأن الانتفاضة الشعبية تطالب بإسقاطه، غير أن المؤسسة الدينية الحاكمة وأجهزتها العسكرية لا تزال متجذرة بعمق، ما يجعل إزاحتها أمراً بالغ الصعوبة.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان ترامب سيختار شكلاً من أشكال التحرك «العسكري المباشر» ضد إيران. وتشير تقارير إلى أن حلفاء عرباً في المنطقة ينظرون بقلق إلى أي تدخل أمريكي.
ويبدو أن ترامب يفضل الضربات العسكرية السريعة والحاسمة، مثل الإطاحة بنظام مادورو، أو الهجوم الخاطف الذي نفذته الولايات المتحدة ضد المنشآت النووية الإيرانية الصيف الماضي، لكنه أقل ميلاً إلى الانخراط في مواجهات معقدة وطويلة الأمد.
ويؤكد محللون أن الهزيمة الكاملة للنظام الإيراني لا يمكن أن تتحقق عبر الضربات الجوية وحدها.
وفي الوقت الذي يطلق فيه المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي خطاباً علنياً يتسم بالتحدي، انخرطت حكومته في قنوات دبلوماسية خلف الكواليس مع الولايات المتحدة.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت هذا الأسبوع:”ما تسمعونه علناً من النظام الإيراني يختلف تماماً عن الرسائل التي تتلقاها الإدارة على نحو خاص. وأعتقد أن لدى الرئيس اهتماماً باستكشاف هذه الرسائل”.
وفي هذا السياق يكتسب سيناريو «على الطريقة الفنزويلية» وجاهته. إذ يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توصلت إلى تفاهم مع خليفة مادورو المؤقتة، نائبة الرئيس السابقة ديلسي رودريجيز، مقابل حصول الولايات المتحدة على السيطرة على صادرات النفط الفنزويلية. وقد يكون ترامب ينظر إلى ترتيب مشابه مع إيران الغنية بالنفط، فيما قد تجد طهران – ونظامها المعزول الذي يرزح تحت وطأة العقوبات ويواجه كارثة اقتصادية في الداخل – نفسها مضطرة إلى القبول بذلك.
لكن في المقابل، ثمة أسباب عديدة تجعل تحقق هذا السيناريو أمراً غير مرجح. فقد كتبت سوزان مالوني، مديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينجز:”خامنئي يتقدم في السن ويمكن الاستغناء عنه بسهولة، لكن البنية السلطوية الواسعة التي يترأسها عالقة بتواطئها واعتمادها الجوهري على العداء للولايات المتحدة”.
وأضافت: “جميع كوادر النظام من رجال الدين يدركون أنهم سيغرقون مع السفينة نفسها، ولهذا التزم الإصلاحيون الإيرانيون، الذين كان يُشاد بهم في السابق، الصمت طوال حملة القمع الدامية الأخيرة”.
من جانبه، قال آلان آير، الزميل في معهد الشرق الأوسط والدبلوماسي الأمريكي السابق المتخصص في الشأن الإيراني، إنه لا يرى أن سيناريو شبيهاً بفنزويلا «مرجحاً» على المدى القريب. وأضاف:”يبدو أن ترامب بات أكثر اهتماماً الآن بتكثيف الضغوط على النظام، الذي يزداد ضعفاً مع كل يوم تستمر فيه الاحتجاجات”.
وتابع: “لا أعتقد أن هذا النظام مستعد حالياً لإجراء التغييرات اللازمة في هيكل السلطة بما يدفع الرئيس ترامب إلى السعي لتفاهم معه. لكن الوضع شديد التقلب، والوقائع تتغير يوماً بعد يوم”.
وفي المقابل، يرى أنصار ترامب أهدافاً مختلفة للسابقة التي أرستها فنزويلا حيث قال ماثيو كرونيج، الذي عمل في وزارة الدفاع الأمريكية خلال الولاية الأولى لترامب، لمجلة فورين بوليسي:” قد تكون كوبا التالية”.
وأضاف: “الحكومة الكوبية تتعرض بالفعل لضغوط كبيرة بسبب سوء الإدارة الاقتصادية، لكن هناك ضغوطاً إضافية الآن بعد قطع النفط الفنزويلي.. أعتقد أن هناك تركيزاً على نقل نموذج فنزويلا إلى هافانا”.
المصدر : أ ش أ

