ا تعد نحلة العسل مجرد حشرة منتجة للغذاء، بل هي محرك حيوي لمنظومة التنوع البيولوجي على كوكب الأرض، فمن خلال “نظام توصيل” فائق الدقة، تلعب النحلة دور الوسيط في عملية التخصيب النباتي، حيث تنقل حبوب اللقاح من “السداة” (الجزء الذكري) إلى “المدقة” (الجزء الأنثوي)، محولةً الأزهار إلى ثمار وبذور تضمن استمرار الحياة النباتية.
يتجلى الإعجاز في جسد النحلة الذي يعمل كآلة متكاملة، فشعرها الزغبي يولد شحنة كهروستاتيكية تعمل كمغناطيس طبيعي يجذب حبوب اللقاح بمجرد اقترابها من الزهرة، وبفضل قدرتها الاستثنائية، يمكن للنحلة حمل حمولة من اللقاح تعادل نصف وزن جسمها تقريباً، وتخزينها في “سلال” متخصصة تقع على أرجلها الخلفية، بعد كشطها وتجميعها بواسطة فراشٍ دقيقة موزعة على أطرافها.
لتنفيذ مهامها البعيدة، تمتلك النحلة زوجين من الأجنحة القوية التي تمكنها من الطيران لمسافة تصل إلى 5 أميال، وهي مسافة تتفوق بها على معظم الحشرات.
وتعتمد في رحلتها على نظام رؤية معقد يتكون من عينين مركبتين لتحديد الاتجاهات عبر الشمس، وثلاث عيون صغيرة تقيس شدة الضوء وطول موجته، مما يجعلها ملاحاً جوياً لا يخطئ طريقه.
وعند الوصول إلى الزهرة، تستخدم النحلة خرطومها (لسان مجوف طويل) لامتصاص الرحيق وتخزينه مؤقتاً في “معدة العسل”، ليتم ارتجاعه لاحقاً في الخلية كغذاء مشترك، أو تحويله إلى عسل عبر عملية تبخير للماء تعتمد على حركات سريعة لعضلات الأجنحة.
رغم دورها البناء، تمتلك النحلة سلاحاً دفاعياً وحيداً وهو “الإبرة الشائكة”، غير أن هذا السلاح يعد وسيلة انتحارية؛ فعندما تلدغ النحلة عدوها، تنفصل الإبرة عن جسدها، مما يؤدي إلى موتها بعد وقت قصير، في تضحية غريزية تهدف إلى حماية مستعمرة النحل وذخيرة الغذاء بداخلها.
التكامل مع الزهرة: لغة التكاثر
لا تكتمل دورة التلقيح دون “التشريح الأساسي للزهرة”، فبينما تحوم النحلة بحثاً عن الرحيق، تلتصق حبوب اللقاح الصادرة من المتك (أعلى السداة) بجسدها، لتنقلها في رحلتها التالية إلى الميسم (مدخل المدقة)، حيث تبدأ رحلة اللقاح عبر القلم وصولاً إلى المبيض، لتنتج البذرة التي هي أساس الغذاء البشري والحيواني.
جدير بالذكر أن فهمنا للنظام التشريحي للنحلة يكشف عن شبكة معقدة من العلاقات المتبادلة، حيث تمنح الزهرة “الرحيق” مقابل خدمة “التلقيح”، في واحدة من أروع صور التعاون في الطبيعة.
المصدر: أش أ

