عندما يصل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى قرية دافوس المغطاة بالثلوج في جبال الألب ، سيشكل ذلك تتويجًا لمساعٍ استمرت عامًا كاملًا، ونقطة تحول لمنتدى كان يُعد طويلاً مرادفاً للعولمة الليبرالية.
ويبرز منتدى الاقتصاد العالمي لهذا العام – الذى انطلق أمس الإثنين 19 يناير ويستمر حتى 23 يناير – تحولاً حاداً في فعالية طالما صُورت على أنها ساحة نقاش “موجهة نحو الوعي الاجتماعي”، إذ تراجعت قضايا المناخ والتنوع على جدول الأعمال، وصعد الذكاء الاصطناعي والنمو إلى الواجهة، بينما تستعد الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترمب ودائرته المقربة، لفرض حضورها على المشهد، وفق “بوليتيكو”.
وتزامن هذا التحول مع جهود امتدت أشهراً لاستقطاب ترامب، وإعادة تأكيد أهمية دافوس بعد سنوات من التراجع.
وقال رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي والرئيس التنفيذي له، بورجه برنده، في مقابلة مع “بوليتيكو” من مكتبه في جنيف الأسبوع الماضي: “بعد دافوس العام الماضي، بدأت مناقشات مع البيت الأبيض، ونسقت أيضاً مع كبيرة الموظفين سوزي وايلز”.
وأضاف: “كما زرت واشنطن في أوائل ديسمبر، وعقدت اجتماعات في البيت الأبيض، وكذلك مع وزراء مختلفين في الحكومة، ونحن الآن في وضع يأتي فيه ترمب، ويشارك أيضاً خمسة من كبار الوزراء.. سيكون للولايات المتحدة حضور واسع في دافوس”.
قبل عام من اليوم، أطلّ دونالد ترمب على جموع “دافوس” عبر شاشة عملاقة مُبشّراً بـ”عصر أمريكا الذهبي” وملوّحاً بسلاح “الرسوم” دون تمييز بين الحلفاء والخصوم.
وبعد نسخ باهتة خلال حقبة “فيروس كورونا”، وارتفاع حاد في تكاليف المشاركة، واضطرابات قيادية داخل المنتدى، يبرز الظهور اللافت لترامب، محاطاً بعدد من أقوى شخصيات حركة “لنجعل أميركا عظيمة مجدداً” (MAGA)، كـ”تصويت على الثقة” في منتدى رأى فيه البعض مؤسسةً “عفا عليها الزمن أو بلا هدف”.
ويتزامن هذا التفوق الأمريكى مع تحول أوسع في برنامج المنتدى نفسه، فالاجتماع ذاته الذي منح يوماً الناشطة جريتا تونبرج منصته الرئيسية لتحذيرها الشهير “بيتنا يحترق” بشأن أزمة المناخ، واحتفى بتشكيلة منسقين مشاركين جميعهم من النساء في أعقاب حركة Me Too، ودفع الحكومات إلى تتبع التقدم نحو اتفاق باريس وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، يفسح اليوم المجال لأجندة MAGA الخاصة بترمب.
ويأتي ذلك في وقت قلب فيه الرئيس الأمريكى الدبلوماسية العالمية رأساً على عقب بتهديده فرض رسوم جمركية على دول أوروبية بسبب معارضتها لمساعيه للسيطرة على جرينلاند.
وسيرافق ترامب وفد يضم وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، ووزير التجارة هوارد لوتنيك، والممثل التجاري جيميسون جرير، ووزير الطاقة كريس رايت، والمبعوث الأمريكى الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، بحسب “بوليتيكو”.
ويحمل منتدى هذا العام شعار “روح الحوار”، وهو ما وصفته المجلة بـ”الباهت”، وجرت إلى حد كبير إزالة الموضوعات التي كانت رائجة سابقاً حول البيئة والتنوع، واستُبدلت بها صيغ مثل “بناء الازدهار ضمن حدود الكوكب”، و”الاستثمار في الإنسان”.
وسيحضر المشاركون من النخب مناقشات من قبيل “الجدوى الاقتصادية للطبيعة”، و”الهرم الوظيفي بعد إعادة تشكيله بالذكاء الاصطناعي”، و”العلم كمحرك للنمو”، مع تركيز أساسي على صناعة الذكاء الاصطناعي العملاقة وإمكاناتها في دفع النمو الاقتصادي.
وسواء كان ذلك مقصوداً أم لا، فإن انحرافاً واضحاً عن موضوعات الوعي الاجتماعي يطبع نسخة هذا العام، رغم أن رواد دافوس يؤكدون أنه انعكاس للمرحلة الراهنة أكثر منه استراتيجية متعمدة.
واعتبر مايك روبينو، المسؤول السابق في إدارة ترامب والشريك حالياً في شركتي “فوروارد جلوبال” و”بالارد بارتنرز”، أن التحول في التركيز “جزء لا يتجزأ من النظام العالمي الجديد”.
وأضاف: “هذه القضايا لم تعد مثيرة للاهتمام”، مشيراً إلى صعود وهبوط الطاقة النووية على أجندة دافوس، وتراجع الاهتمام بالحرب في أوكرانيا.
لطالما وضع دونالد ترمب نفسه في دائرة الضوء عندما يسافر إلى الخارج، لكن الرئيس الأميركي حرص على أن تكون زيارته إلى دافوس، هذا الأسبوع، أكثر دراماتيكية من المعتاد
وفي الوقت نفسه، سيلتقي كبار المليارديرات من عالم الأعمال والمال، وهم يحتفلون ببلوغ ثرواتهم الشخصية مستويات قياسية في مجال الذكاء الاصطناعي.
ويشارك رئيس شركة “إنفيديا” العملاقة للذكاء الاصطناعي، جنسن هوانج، كمتحدث بارز، فيما سيعقد كبار التنفيذيين من شركات “مايكروسوفت”، و”ميتا”، و”بالانتير”، و”أنثروبيك”، و”أوبن إيه آي” اجتماعات جانبية مع مؤسسات مثل “جيه بي مورجان”، و”جولدمان ساكس”، و”بلاك روك”، و”سيلزفورس”.
وتوقعت “بوليتيكو” أن تكون إدارة ترمب “النجم الأبرز” في دافوس هذا العام، ومحور جانب كبير من الصفقات التي تُبرم على هامش المنتدى.
وقال ألين إن عملاءه “مهتمون إلى حد كبير بكل ما يتصل بنهج ترامب تجاه العالم”، وأضاف: “أي شيء يفعله ترامب، وأي تفاعل له مع قادة أجانب يثير اهتماماً هائلاً”.
ومن المتوقع أن يحضر دافوس عدد من القادة الأوروبيين، الذين سيسعون إلى التفاوض مع ترامب بشأن تهديده بفرض رسوم جمركية جديدة على الاتحاد الأوروبي، في سياق حملة البيت الأبيض للسيطرة على جرينلاند وتعليق الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
ويشارك في المنتدى كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إلى جانب قادة من ألمانيا، وبولندا، وإسبانيا وعدة دول أوروبية أخرى، فضلاً عن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته.
كما يُتوقع حضور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى جانب قادة يأملون في استغلال المنتدى لتثبيت التزامات أمريكية بإطار محتمل للسلام في أوكرانيا، سواء عبر تأييد ضمانات أمنية مدعومة من واشنطن، أو عبر تأمين دعم ترامب لاتفاق اقتصادي أضيق مرتبط بإعادة إعمار البلاد بعد الحرب.
المصدر : وكالات

