مكتبة الإسكندرية و”تريندز” يناقشان “تحديات الإنتاج الثقافى فى العصر الرقمى” بمعرض الكتاب
شهد جناح ومقر مركز “تريندز” للبحوث والاستشارات بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في نسخته الـ57 ندوة بعنوان «الإنتاج الثقافي في العصر الرقمي.. وفرة المحتوى وتحديات الإبداع»، والتي نظمها المركز بالشراكة مع مكتبة الإسكندرية، وذلك على هامش جولة المركز البحثية في القاهرة، وفي إطار مشاركته في فعاليات النسخة الـ57 من المعرض.
تحدث في الندوة كل من الدكتورة مروة الوكيل رئيس قطاع البحث الأكاديمي بمكتبة الإسكندرية، وروضة المرزوقي الباحثة ومديرة إدارة التوزيع والمعارض في «تريندز»، والدكتورة ريهام صلاح باحثة في مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لمكتبة الإسكندرية، وأدارتها وردة المنهالي؛ باحثة ومديرة إدارة الاتصال المؤسسي في «تريندز».
واستهلت الندوة الدكتورة مروة الوكيل مؤكدة أن الإعلام الرقمي أصبح أحد الأشكال الحديثة للإعلام، ويتميز بخروجه عن الأطر التقليدية مع انخفاض تكلفته وسرعة انتشاره وسهولة الوصول إليه، و أتاح هذا النوع من الإعلام مساحة أوسع لحرية التعبير ومشاركة عدد أكبر من الأفراد في طرح القضايا والنقاش العام.
وذكرت الوكيل أن الخوارزميات الرقمية ليست محايدة، لأنها مبنية على بيانات وسلوكيات سابقة تكون مليئة بتحيزات اجتماعية وثقافية، وهذا يعني أنها قد تعزز أنماطاً معينة وتُهمش أخرى، كما أنها تؤثر بشكل غير مباشر على قراراتنا من خلال تضييق نطاق المعلومات المعروضة أو اقتراح اختيارات جاهزة لنا، حيث يظهر ما يمكن تسميته بـ«ثقافة التريند» التي تؤدي إلى تسليع الثقافة، أي تقديمها في شكل محتوى سريع وسهل الاستهلاك، يفقدها عمقها الرمزي والتاريخي.
وأشارت الوكيل إلى أن التحيزات المضمّنة في الخوارزميات تجعل بعض اللغات واللهجات والثقافات الأقل تمثيلاً تظهر بشكل أضعف أو تُهمَّش تماماً، حيث نكسب وفرة وسهولة الوصول، ونخسر الذوق العميق الذي يحتاج إلى وقت وتأمل وقصد في الاختيار، وهذا التأثير لا يتوقف عند الجمهور فقط، ويؤثر علي المبدع وإنتاجه ، بما قد يؤثر سلباً على جودة الإبداع وأصالته.
ولفتت إلى أن بعض الدراسات تشير إلى إمكانية المقاومة والتوازن، فالحل لا يكون فقط في تحسين الخوارزميات، بل في أن نتحدث أكثر عمّا نحب ونناقشه مع الآخرين ونبني أذواقنا بشكل واعٍ، بدلا من أن نتركها تُصاغ بالكامل من أنظمة آلية، مبينة أن الخوارزميات تؤثر على الذائقة الفنية والثقافية عبر ثلاث آليات أساسية، هي: تقييد ما يُعرض علينا، ودفع المبدعين لتكييف إنتاجهم مع منطق الخوارزميات، وتعميق الفوارق الثقافية بسبب التحيزات المبرمجة، والنتيجة تسطيح الثقافة وتحويلها من تجربة إنسانية عميقة إلى منتج استهلاكي سريع.
بدورها.. أوضحت روضة المرزوقي أننا نحيا في عصر أصبح فيه إنتاج المحتوى متاحاً للجميع، حيث منحتنا المنصات الرقمية مساحة غير مسبوقة للتعبير، وفتحت الباب أمام أصوات جديدة لم تكن تجد طريقها إلى الجمهور في السابق، لكنها أدت إلى زخم في إنتاج المحتوي وتشويش رقمي هائل، جعل الوصول إلى الإبداع الحقيقي والتفرقة بينه وبين الادعاء الفكري أكثر صعوبة.
وذكرت أن التحدي لم يعد في القدرة على النشر، بل في القدرة على التمييز وسط هذا التدفق المستمر للمحتوي وأن المنصات الرقمية لا تعمل بمنطق الثقافة، بل بالخوارزميات التي تكافئ من له القدرة على الانتشار لا الجودة، وتعلي من أهمية التفاعل التجاري والبحت عن العمق والاستدلال.
وأشارت المرزوقي إلى أن الأدبيات البحثية في دراسات الإعلام والثقافة الرقمية تظهر أن العلاقة بين الإبداع والأصالة ومنطق المنصات الرقمية، علاقة تكاد تكون معقدة، فالبيئة الرقمية المعاصرة تدار عبر خوارزميات تكافئ السرعة والانتشار والتفاعل اللحظي، وهي معايير تختلف تماماً عن معايير الإبداع التقليدية التي ترتكز على العمق والابتكار والعمل الطويل على الفكرة، مضيفة أن الحفاظ على الأصالة ليس مستحيلاً، بل يتطلب خطوات واعية من المبدع، منها إعادة تعريف الأصالة داخل البيئة الرقمية، والتفاوض مع الخوارزميات بدلاً من مقاومتها.
من جانبها.. أكدت ريهام صلاح خفاجي، أن العصر الرقمي لم يغير فقط حجم المعلومات المتاحة، بل غير أنماط التفكير ذاتها، فنحن نعيش في بيئة رقمية تكافئ السرعة والانتباه القصير والاستجابة العاطفية، أكثر مما تكافئ التحليل المتأني والتفكير النقدي، ما يجعل ممارسة التفكير النقدي فعلاً مجهداً، وبينت أن الجمهور في العصر الرقمي يبدو غير متجانس بسبب اختلاف خلفياته الثقافية و السياسية، وتعرضه للواقع الرقمي، تُصمَّم خصيصاً وفق بياناته وتفاعلاته وأنماط استهلاكه للمحتوى، مما يعزز «الاستقطاب» و يفتح المجال أمام أشكال من التطرف الرقمي، ويجعل الجمهور منقسم إلى عوالم معرفية منفصلة يصعب التفاعل بينها، وكلما تسارعت وتيرة الاستهلاك الرقمي وتزايدت كثافته، تقلصت المساحة الذهنية اللازمة للفهم والتحليل والتقييم، وهي معادلة صعبة، لكنها تضع أمامنا مسؤولية جماعية حقيقية.
أ ش أ

