مدبولي: استطاع اقتصادنا الصمود رغم الأزمة العالمية الطاحنة.. ونفذنا مشروعات ضخمة لتصحيح المسار
قال الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء “إنه بالرغم من الأزمة العالمية الطاحنة كان اقتصاد مصر في هذه الفترة قادرا على الصمود، مؤكدا أن الشكل المميز والقوي الذي كانت عليه مصر في هذه الفترة لم يحدث بين يوم وليلة، بل كان نتاجا لجهد وعمل امتد لفترة بلغت 40 أو 50 عاما قبلها، وجهود الحكام الذين كانوا موجودين قبل هذه الفترة بدءا من محمد علي الذي يُعرف بمؤسس مصر الحديثة، والخديوي إسماعيل الذي يُعزى إليه العديد من الخطوات الإصلاحية الكبرى، وأيضاً النهضة التنموية الكبرى التي شهدتها مصر في هذه المرحلة”.
جاء ذلك في كلمة رئيس الوزراء خلال انعقاد الندوة التثقيفية للقوات المسلحة، والتي شهدها الرئيس عبد الفتاح السيسي، واستهلها بتوجيه التهنئة إلى الشعب المصري بمناسبة حلول الذكرى الـ47 لنصر أكتوبر المجيد، مشيرا إلى أنه يمثل نقطة تحول جذرية في تاريخ مصر نحو التقدم والنماء.
وأضاف رئيس الوزراء “ارتبطت هذه المناسبات التاريخية دائما بكونها فرصة جيدة لكي نجلس معاً ونسترجع أهم الأحداث التي مرت بها هذه الأمة، مشددا على أن هذا شيء مهم للغاية كي نتعرف كيف كانت مصر وإلى أين وصلت الآن، وما هي الرؤية المستقبلية لهذه الدولة العظيمة، بما يحقق الهدف الرئيس باستخلاص العِبر، التي من الممكن أن تساعدنا على بناء المستقبل لهذه الأمة”.
واقتبس الدكتور مدبولي عبارة للكاتب محمد حسنين هيكل يقول فيها “إن الأمم الكبيرة تحيا لكي تتذكر، والأصح أنها تتذكر لكي تحيا.. فتاريخ كل أمة هو خط متصل، وقد يصعد الخط أو يهبط وقد يدور حول نفسه أو ينحني، ولكنه لا ينقطع أبدا”.. ليبدأ بهذه العبارة سرد ماذا حدث لمصر على مدار الـ150 سنة الماضية، وماهي العوامل التي ساهمت في الأوضاع التي نحياها الآن، وما يتم حالياً بمصر من تصحيح للمسار، وما هي الرؤية للمستقبل القريب.
وبدأ رئيس الوزراء استعراضه للتجارب التي مرت بها الدولة خلال الفترة ما بين عامي 1900 حتى 1950، حيث شهد العالم حربين عالميتين وأسوأ أزمة اقتصادية مر بها بدأت منذ عام 1928 واستمرت لفترات طويلة، فضلا عن ظهور مجموعة من الأوبئة والأمراض أودت بحياة الملايين على مستوى العالم، مستدركا أن ما ميز مصر في هذه الفترة هو أنها كانت بمنأى بطريقة غير مباشرة عن الدخول في تلك الصراعات الكبيرة، حيث لم تكن منغمسة بصورة كاملة في الحروب.
واستعرض مدبولي أرقاما أكد أنها مهمة في ضوء توضيح الرؤية الحالية والمستقبلية، لافتا -في هذا السياق- إلى أنه في عام 1900 كان عدد سكان مصر يبلغ 9 ملايين نسمة، وعلى مدار 50 عاما زاد العدد إلى 19 مليونا؛ ففي 50 سنة زدنا 10 ملايين نسمة فقط، ولم يكن متوسط معدلات النمو في هذه الفترة يتجاوز 2 إلى 3% كنسبة نمو للاقتصاد، ولكن مع عدد السكان الذي كان موجودا كانت هذه النسبة أكثر من كافية لتضمن استقرارا للدولة وحدوث نمو، وكان لدينا فائض في الميزان التجاري وليس عجزا، وهو ما انعكس على قوة العملة المصرية في هذه الفترة، حيث كان الجنيه المصري يعادل قيمة الجنيه الذهب تقريبا، وكان الدولار حينها يساوي 20 قرشا، والذي يقترب الآن من 16 جنيها.
وأضاف “كانت هذه هي الظروف التي عاشتها مصر خلال 50 عاما مضت، مستعرضا تقريرا يرجع لهذه الفترة يشير إلى أن مصر كان لديها أكبر غطاء نقدي في العالم في الفترة من 1926 حتى 1953، وكانت أوقية الذهب تساوي 4 جنيهات مصرية”.
ولفت الدكتور مدبولي إلى أن الاقتصاد المصري في هذه الفترة كان قائما في الأساس على الزراعة، وكانت مصر تعرف نفسها على أنها دولة زراعية، ولكن كان لديها بدايات صناعة وطنية مع رجل الاقتصاد الوطني طلعت حرب، ولكن الأهم هو في محصول القطن الاستراتيجي، حيث كانت مصر تزرع منه 1,6 مليون فدان، وكان إنتاجها 6,5 مليون قنطار.
ونوه بأن مصر كانت تمتلك أهم بورصة قطن على مستوى العالم، إلى جانب بورصتي القاهرة والإسكندرية، اللتين كانتا في المركز الرابع على مستوى العالم، كما كانت مدن القاهرة والإسكندرية تعد من أجمل مدن العالم، مشيراً إلى أن القاهرة فازت بجائزة أفضل مدينة بالعالم في عام 1925.
وبين أنه لكي تصل القاهرة إلى هذا المستوى وتكون الأجمل حينها كان ذلك نتاج البذرة التي وضعها الخديوي إسماعيل ليبني القاهرة الجديدة والعصرية، في وقت لم يكن موجودا حينها إلا القاهرة التاريخية بكل مشاكلها وتحدياتها، فكانت الرؤية في إنشاء حاضرة جديدة في هذا الوقت لتصبح بعنوان “مصر الحديثة” استغرقت نحو 50 سنة حتى أصبحت تصنف كأجمل مدينة على مستوى العالم.
وأوضح رئيس الوزراء أن هذه المشاهد التي تحكي تاريخ مصر تشير إلى أن النمو الاقتصادي كان حينها ببساطة شديدة مرتبطا بعدد السكان؛ فقدرات الدولة كانت تستوعب هذا العدد، فكان النمو الذي يحدث في الدولة نموا مخططا ومنظما، وبالتالي كان شكل المدن المصرية مميزا، ولم يكن هناك تحدٍ كبير، فمصر كانت تمتلك ثاني أكبر شبكة سكة حديد على مستوى العالم، وكانت هناك وسيلة الترام ووسائل النقل الجماعي الداخلي.
وأضاف “كما امتلكت مصر أول محطة طاقة شمسية على مستوى العالم، ودخلت في إنشاء محطات توليد الكهرباء منذ عام 1924، واستطاعت مع قوة اقتصادها أن تساند دولا كثيرة، منها دول أوروبية بعد الحرب العالمية؛ لكي تساعدهم اقتصاديا ًعلى الخروج من الأزمات التي كانت تعاني منها، مستعرضاً لقطة شهيرة لطلب الولايات المتحدة من مصر تقديم معونة لدول أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية”.
كما لفت إلى أنه رغم قوة الاقتصاد في هذه الفترة، إلا أنه كان هناك تركيز على عدد قليل من السكان فقط في تقديم بعض الخدمات، وكان ذلك يعتبر إحدى المشكلات الكبيرة المرتبطة بهذا العصر، بمعنى أن كل عدد الطلبة المقيدين بالجامعة المصرية يبلغ 3596 طالبا في عام 1930 من إجمالي عدد سكان هذه المرحلة وصل إلى 15 مليون نسمة، وهو عدد قليل كطلبة جامعيين، كما كان هناك فقط 1036 مدرسة في عام 1900 وكان في هذا التاريخ 9 ملايين نسمة، ولذا فقد كان هناك احتياج لعدد مدارس أكثر، وكانت الرؤية حينها التركيز على فئة معينة تقدم لها جميع الخدمات ولا تصل لكل عموم الشعب المصري، وعرض الدكتور مدبولي صورا للمدارس المصرية في هذا الوقت، في ظل عدد الكثافات البسيطة والخدمات المميزة وقتها.
وتابع رئيس الوزراء “عدد الأطباء في عام 1925 كان 136 طبيبا وجراحا و30 صيدليا، لافتا إلى أنه يمكن القول أن عدد الأطباء بالمقارنة بعدد السكان لم يكن كافياً، ولكن كان لدينا نوعية متميزة جداً من التعليم والأطباء المميزين والمشهورين، ونجح نظام التعليم خلال تلك المرحلة في أن ينجب عباقرة في جميع المجالات والعلوم المختلفة في مصر”.
واستطرد “ورغم ذلك، لم تكن الصورة مثالية، فقد كانت هناك تحديات رغم أن الاقتصاد كان يسير بصورة جيدة مع عدد سكان قليل، فقد كانت معدلات الأمية تتجاوز 85%، وكان لدينا تركيز شديد للثروة لدى طائفة محدودة من الشعب، ومشاكل كثيرة لدى البقية، كما كانت أعمار المصريين 50 عاما، وهذا يعكس وضع المنظومة الصحية، بينما كان في الدول النامية متوسط الأعمار في الـ30، منوها بأن مصر كانت حينها أقرب لأن تكون دولة متقدمة من أن تكون دولة نامية”.
كما نوه بأنه مع مشاكل وتحديات هذه المرحلة كانت نسبة الفقر في الريف تتجاوز 75%، وكان 0.5% من سكان الريف يمتلكون 40% من الأراضي الزراعية، فكانت الفجوات في المجتمع المصري تسبب مشكلات كبرى، وتحديا كبيرا في موضوع تقاسم الثروات وتوزيع الثروة وعوائد التنمية في الدولة.
إلى جانب ذلك، قال رئيس مجلس الوزراء، في كلمته، “إنه عند تقييم الفترة ما بين عام 1950 حتى وقتنا الحالي، سنجد أن الظروف بدأت تختلف وبدأت المعايير الخارجية والداخلية أيضاً تختلف، وبدأ التغير الديموغرافي ليبدأ تسارع معدلات النمو السكاني، وهنا تغير دور الدولة الاجتماعي في كل منظومات الخدمات القائمة في الدولة وهو أمر أدى إلى إلقاء أعباء هائلة على الدولة، مما جعلها على مدار الـ50 عاما الأخيرة لم تعد قادرة على مواكبة التسارع الكبير جدا في معدلات النمو السكاني، حيث دخلت مصر اعتبارا من عام 1956 بصورة مباشرة في سلسلة من الحروب التي استنزفت مواردها بصورة كبيرة ملحوظة”.
وواصل الدكتور مدبولي شرح الأوضاع التي تلت ذلك، منوها بأن الدولة خلال الفترة من عام 1956 إلى عام 1973، كانت إلى حد ما في حالة حرب مستمرة، وأصبح تركيز وتوجه الدولة فيما بعد حرب 1967 على العمل على إعادة بناء القوات المسلحة وتوجيه كافة موارد الدولة الاقتصادية إلى إعادة بناء الجيش المصري حتى تمكن في عام 1973 من تحقيق النصر، وهو ما دعا الدولة إلى سحب أية استثمارات كانت موجهة لتنفيذ أية مشروعات تنموية وخدمية كان من المقرر إقامتها.
وأضاف أن هذه العوامل مجتمعة أسهمت في الوضع الحالي الذي نشهده حاليا، وعلينا أن نستخلص العبر والدروس المستفادة من هذه الظروف التي وقعت أحداثها خلال الفترات الماضية، سعياً إلى التعامل مع مجمل هذه الأوضاع لوضع رؤى مستقبلية تستطيع مواجهة ما يُستجد من تغيرات.
وركز رئيس الوزراء على المعاناة التي شهدتها مصر بسبب الدمار الكبير الذي خلفته الحروب التي خاضتها وصولا لتحقيق النصر في حرب أكتوبر 1973، ولفت إلى بعض الأحداث والحوادث الحاكمة والفاصلة، منها ثورة 2011 وما بعدها حتى ثورة 2013، وما شهدتها هذه الفترة من عدم استقرار، مستعرضاً ارتباط هذه الأحداث والحوادث الحرجة التي مرت بها مصر بمعدلات نمو الاقتصاد المصري ومدى تأثير ذلك عليه.
كما لفت، في هذا الصدد، لما شهده النمو الاقتصادي من تراجع ثم صعود خلال الفترات المتعاقبة من حرب اليمن وعام 1967 مرورا بحرب أكتوبر 73، وحادث اغتيال الرئيس السادات، وحوادث الإرهاب التي عانت منها مصر لفترات كبيرة ولانزال نواجه هذا التحدي في بعض المناطق، ومنها ما حدث في عام 1990 في مدينة الأقصر، إلى جانب ما شهدته مصر من تداعيات لأحداث 11 سبتمبر وصولا إلى ثورة 25 يناير.
وتابع أن “مصر بدأت حاليا في استعادة عافيتها الاقتصادية والسير في المسار الصحيح اقتصادياً، حيث تم تحقيق معدلات نمو وصلت إلى 5.6%، حتى جاءت أزمة فيروس كورونا المستجد، التي أثرت على العالم بأسره.. ومع ذلك، فإن مصر من الدول القليلة جدا التي تعد على أصابع اليد الواحدة على مستوى العالم، التي نجحت في تحقيق نسبة نمو إيجابي خلال هذه الفترة، في الوقت الذي حققت أغلب اقتصاديات العالم نمواً سالباً.
وأوضح رئيس الوزراء أنه حينما نسعى لتقييم الفترة من 1950 إلى 2014، فسنجد أنها شهدت حدوث زيادة حادة في معدلات النمو السكاني بمصر، لافتا إلى أن الفترة من 1900 إلى 1950 ارتفع نمو السكان من 9 ملايين نسمة إلى 19 مليون نسمة، أي أن عدد السكان تضاعف خلال الـ50
وأضاف مدبولي، خلال استعراضه لتطور حجم السكان في مصر بداية من القرن العشرين، أن ما شهدته الفترة السابقة من تزايد في معدلات النمو السكاني، صاحبه عدم قدرة الدولة على متابعة هذا التحدي، وتنمية القطاعات الخدمية المختلفة بنفس المعدل، ونتج عن ذلك وجود تراكمات اقتصادية واجتماعية، وعدم القدرة على التخطيط المستقبلي، وقيام الدولة بالعمل على حل المشكلات القائمة بنظام رد الفعل، وعدم وجود مبادرة ولا رؤية لمستقبل بعيد أو متوسط.
المصدر : أ ش أ
