في مثل هذا اليوم من كل عام، تستعيد الذاكرة العربية سيرة واحدة من أعظم الأصوات في تاريخ الموسيقى، فنانة لم يكن الغناء عندها مجرد أداء، بل تعبيرا عميقا عن وجدان الشعوب ونبضها، إنها كوكب الشرق أم كلثوم التي رحلت في الثالث من فبراير عام 1975، لكنها بقيت حاضرة بصوتها وإرثها الفني الذي تجاوز حدود الزمن والمكان، لتصبح رمزا خالدا في الثقافة العربية.
ولدت فاطمة إبراهيم السيد البلتاجي، المعروفة باسم “أم كلثوم” في 31 ديسمبر 1898 بقرية طماي الزهايرة مركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية، ونشأت في أسرة بسيطة؛ كان والدها إماما ومؤذنا لمسجد القرية، يشارك في إحياء المناسبات الدينية بالإنشاد، ألحقها بكتاب القرية ، حيث تعلمت القراءة وتلاوة القرآن، وفي هذا المناخ تشكل وعيها الفني المبكر، وبدأت الغناء في سن مبكرة برفقة شقيقها، مكتسبة أساسا متينا لصوتها القوي وقدرتها الاستثنائية على الأداء.
وفي بداياتها، اقتصر غناؤها على التواشيح والابتهالات الدينية، قبل أن تنتقل عام 1922 مع عائلتها إلى القاهرة، حيث بدأت مرحلة جديدة في مسيرتها الفنية وتطوير أدائها الفني بمساعدة نخبة من كبار الملحنين مثل الشيخ أبو العلا محمد، داوود حسني، رياض السنباطي، ومحمد القصبجي، كما تعاونت مع أبرز شعراء عصرها من بينهم أحمد شوقي، مرسي جميل عزيز، مأمون الشناوي، و أحمد رامي، ما ساهم في تكوين رصيد موسيقي ثري امتد لأكثر من خمسة عقود.
وفي عام 1928، أصدرت مونولوج (إن كنت أسامح وأنسى الآسية) الذي حقق شهرة واسعة، لتشارك بعد ذلك بصوتها في فيلم “أولاد الذوات” عام 1932، ثم التحقت بالإذاعة المصرية مع انطلاقها عام 1934، لتصبح أول فنانة تنضم إليها، كما شاركت في عدد من الأفلام خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.
وامتلكت أم كلثوم صوتا فريدا جمع بين القوة والدقة والقدرة على التحكم في النبرة والانفعال، فكانت تبث في الكلمات والألحان روحا لا تنسى، وأسفر تعاونها مع كبار المبدعين عن أعمال خالدة، من بينها: «أنت عمري» من ألحان محمد عبد الوهاب، «سيرة الحب» التي جمعتها بمرسي جميل عزيز وبليغ حمدي، و«الأطلال» وغيرها من القصائد التي أصبحت علامات راسخة في الذاكرة العربية، ولم تكن حفلاتها مجرد أمسيات غنائية، بل تحولت إلى أحداث ثقافية كبرى، ينتظرها الجمهور شهريا في القاهرة والعواصم العربية، ليعيش ساعات طويلة من الطرب والتأمل.
وقدمت أم كلثوم خلال مسيرتها أكثر من 320 أغنية، تنوعت بين القصائد الكلاسيكية والأغنيات العاطفية والوطنية، ما جعل صوتها حاضرا في مختلف المناسبات والمراحل التاريخية، وقبل أن تكرس نفسها للغناء فقط، شاركت في عدد من الأفلام الموسيقية التي عززت حضورها الفني، من بينها: «وداد» (1936)، «نشيد الأمل» (1937)، «دنانير» (1940)، «عايدة» (1942)، و«فاطمة» (1947)، الذي كان آخر ظهور لها على الشاشة.
وإلى جانب مسيرتها الغنائية، كان لأم كلثوم حضور بارز في الحياة الثقافية والاجتماعية، إذ تولت رئاسة نقابة المهن الموسيقية في مصر لمدة 7 سنوات، وأسهمت في دعم حقوق الفنانين وترسيخ مكانة الموسيقى كجزء أصيل من الهوية الثقافية، كما تعززت شعبيتها بدورها الوطني من خلال تبرعها بعائدات حفلاتها لصالح الدولة المصرية عقب هزيمة يونيو 1967، في تعبير واضح عن التزامها بالقضايا الوطنية والقومية.
وانعكست مكانتها الاستثنائية في كثرة الألقاب التي أطلقت عليها عبر مسيرتها، أبرزها «كوكب الشرق»، وهو اللقب الذي لازم اسمها منذ ثلاثينيات القرن الماضي، كما عرفت بـ «سيدة الغناء العربي» و«سيدة الطرب»، وهي ألقاب وردت في دراسات وكتابات عربية وعالمية، وعلى المستوى الشعبي، عرفت بلقب «الست»، تعبيرا عن إجماع جماهيري نادر على احترامها ومكانتها، فيما وصفها الأديب العالمي نجيب محفوظ بـ«الهرم الرابع»، في إشارة رمزية إلى دورها الراسخ في الوجدان المصري.
وشكلت حياتها ومسيرتها مادة ثرية للعديد من الكتب والدراسات والأعمال الوثائقية، كما قدمت عنها أفلام وبرامج وثائقية عربية وأجنبية، إلى جانب المسلسل التلفزيوني الشهير «أم كلثوم» الذي عرض عام 1999، وتناول مراحل نشأتها وبداياتها الفنية وعلاقاتها بكبار الشعراء والملحنين.
كما اختارت صحيفة لوموند الفرنسية عام 1999، بناء على استطلاع أجرته لاختيار روائع القرن العشرين الفنية والأدبية، أغنية “الأطلال” ضمن أفضل 100 عمل فني وأدبي شكل ذاكرة القرن العشرين.
وكانت الحياة العاطفية لكوكب الشرق أم كلثوم محل اهتمام واسع من الصحافة والروايات، إذ تلقت العديد من عروض الزواج من شخصيات بارزة في المجتمع، إلا أنها لم تتزوج رسميا سوى بالدكتور حسن الحفناوي أستاذ الأمراض الجلدية، وهي في الخمسين من عمرها، واستمرت حياتهما الزوجية نحو 25 عاما، دعمها خلالها خاصة في فترات مرضها.
وفي سنواتها الأخيرة ، عانت أم كلثوم من مشكلات صحية متعددة، أبرزها أمراض الكلى، إلى جانب مشكلات في العينين أجبرتها على ارتداء نظارة شمسية سوداء، والتي أصبحت لاحقا إحدى سماتها المميزة، واضطرتها حالتها الصحية للسفر إلى أوروبا والولايات المتحدة لتلقي العلاج، قبل أن تتدهور حالتها بدءا من عام 1971، لتكون أغنية «ليلة حب» آخر أعمالها الغنائية على المسرح في 17 نوفمبر 1972.
وفي 3 فبراير 1975، رحلت أم كلثوم عن عالمنا عن عمر ناهز 76 عاما إثر توقف القلب، وشيعت جنازتها من مسجد عمر مكرم بوسط القاهرة، في مشهد غير مسبوق، حيث اصطف ملايين المشيعين في الشوارع، في واحدة من أكبر الجنازات في تاريخ مصر والعالم عكست مكانتها الاستثنائية في قلوب الجماهير، ودفنت في مقابر الإمام الشافعي بالبساتين، ولا يزال ضريحها شاهدا على حجم الحب الذي حظيت به، ومزارا لمحبيها من مختلف دول العالم، وقد نشر خبر وفاتها في كبريات الصحف ووسائل الإعلام العالمية.
ولم يكن رحيل أم كلثوم نهاية الحكاية، بل بداية لخلود فني نادر، فإذا كان الغناء مرآة لمشاعر الشعوب، فإنها كانت صوته الأصدق؛ صوت حمل الحب والحنين والقوة، وبقي علامة مضيئة في تاريخ الطرب العربي، لا يزال يتردد صداه في الوجدان العربي والعالمي، كلما ذكر الفن الأصيل.
المصدر: وكالات

