لم يعد الألماس مجرد حجر كريم للزينة، بل أصبح اليوم في قلب ثورة تكنولوجية جديدة، فالعلماء يعملون على تحويله إلى أجهزة استشعار كمومية فائقة الدقة، قادرة على قياس تغيرات دقيقة جدًا في الطبيعة لا تستطيع الأجهزة التقليدية رصدها.
وتعتمد هذه التقنية على إدخال عيوب ذرية دقيقة للغاية داخل بنية الألماس، تُعرف باسم مراكز النيتروجين–الشاغرة .. هذه العيوب تمنح الألماس قدرة فريدة على التفاعل مع الظواهر الكمومية، مثل المجالات المغناطيسية والحرارة والضغط، وتحويلها إلى إشارات يمكن قياسها بدقة عالية.
الألماس الكمومي ، نوع متطور من الألماس (غالبًا ألماس صناعي مُنتَج في المختبر) يتم هندسته على المستوى الذري ليُستخدم في تطبيقات تكنولوجيا الكم، وليس للزينة.
وهنا يقف الألماس على أعتاب ثورة جديدة، حيث يخضع لتجارب علمية معمقة وثورية تحوله إلى “أجهزة استشعار كمومية”، مستفيداً في ذلك من متانته وخصائصه الفريدة ليصبح ركيزةً لتطبيقات متقدمة في الحوسبة، والتشفير، والتشخيص الطبي.
وتكشف صحيفة “فاينانشيال تايمز” في تقرير موسع أن مقولة “الألماس الأبدي”، التي رفعتها شركة التعدين العملاقة “دي بيرز” شعاراً لها، تخضع اليوم لتفسير عصري من نوع آخر، حيث شرع العلماء في استغلال العيوب البنيوية للألماس لتعزيز حساسيته تجاه الظواهر الكمومية (تكنولوجيا الكوانتَم).
فبعد أن كان الألماس يتهافت عليه العالم ويحظى بالتقدير لجماله، بات بوسعه الآن الكشف عن معلومات بالغة الأهمية من خلال إدخال عيوب دقيقة متعمدة داخل بنيته الذرية، ليصبح بذلك كاشفاً للنشاط دون الذري، بما يبشر ببدء اطلاق ما يعرف بـ”الثورة الكمومية الثانية” (ثورة الكوانتَم الثانية)، على حد وصف الصحيفة البريطانية.
بعد قرن من الثورة الأولى، حين قام العالم الألماني، فيرنر هايزنبرج بوضع إطار المعادلات الرياضية المفسرة لـ”فيزياء الكم” (الكوانتَم)، التي أرست الأساس للإلكترونيات والليزر، يُركز الباحثون حالياً على التحكم في العمليات الكمومية لإطلاق تقنيات متطورة تُحسّن دقة التوقيت، ودقة معالجة البيانات، وقدرات الاستشعار.
ويأتي هذا في وقت حرج لصناعة الألماس، التي شهدت انخفاضاً في مبيعات الألماس الطبيعي نتيجة انتشار البدائل الاصطناعية الرخيصة بعد جائحة “كوفيد-19”. وفي خضم هذه الأزمة، قد يُمهد “الماس التكنولوجي” المُصنّع مخبرياً الطريق لانتعاش هذا القطاع.
تُبشر أجهزة الاستشعار الكمومية، الأقرب إلى التطبيق العملي من الحواسيب الكمومية، بإمكانية استخدامها في التصوير الطبي، والملاحة، والساعات فائقة الدقة.
ويؤكد الخبراء، بمن فيهم عالم فيزياء الكم البريطاني ورئيس المجلس الاستشاري الاستراتيجي لـ”برنامج تكنولوجيات الكمومية الوطني” للمملكة المتحدة، السير بيتر نايت، أن القوة الحقيقية للتقنيات الكمومية لا تكمن في تضخيم التأثيرات الكبيرة، بل في رصد التغيرات الدقيقة على المستوى الكمومي. ويتحدى سلوك الجسيمات الكمومية المنطق المألوف، لتكشف النقاب عن ظواهر مثل “النفق الكمومي”، حيث تعبُر الجسيمات الحواجز الصلبة كما لو أنها غير موجودة.
ويُعد الألماس، المعروف بصلابته الفائقة بين المواد الطبيعية، بيئة مثالية بفضل بنيته الشبكية الصلبة وانخفاض التشويش المغناطيسي فيه، مما يجعله مناسباً لاستضافة الحالات الكمومية الهشة واستيعابها.
ووفقا لـ “فاينانشيال تايمز” فإنه برغم التحديات التي تواجه تحقيق الجدوى التجارية، يتسم “الألماس الكمومي” بمزايا تفوق المواد الأخرى في مجال الاستشعار الكمومي.
وفي ضوء إمكانات استخدامه في درجة حرارة الغرفة والضغط الجوي، إلى جانب بنيته الصلبة، فإن ذلك يجعله مثالياً للتطبيقات واسعة النطاق. ومع ذلك، فإن دمجه مع الإلكترونيات السيليكونية يشكل تحديات.
وتعد شركة “إليمنت سيكس”، المملوكة بشكل رئيسي لشركة “دي بيرز”، رائدة في تطوير “الألماس الكمومي” بين الشركات التجارية، وتنافس شركاتٍ مثل “كوانتَم بريليانس” الأسترالية و”كوانتَم دياموندز” الألمانية.
وبينما لا تزال التطبيقات التجارية المحتملة قيد الظهور، فإنها تشمل مجالات متنوعة، من الملاحة التي يمكن أن تحل محل “نظام تحديد المواقع العالمي” (جي بي إس)، إلى الاستكشاف الجيولوجي من خلال الكشف عن المجالات المغناطيسية.
وتلفت تقرير الصحيفة البريطانية إلى أن للألماس الكمومي تطبيقاتٍ واعدة في الطب، مثل ابتكار أجهزة يمكنها أن تحل محل تقنية “تخطيط كهربة القلب” (إي سي جي)، من خلال جمع بيانات القلب الضرورية دون تلامسٍ مباشر، وتشخيص الفيروسات مثل “كوفيد-19″ و”فيروس نقص المناعة البشرية” (الإيدز) بحساسية أعلى بكثير من الطرق الحالية.
وتبحث المؤسسات البحثية، مثل “مركز أبحاث استشعار الألماس الكمومي” بجامعة نوتنغهام، بدأب وجدية عن تطبيقات إضافية، بما في ذلك الرصد البيئي، والأمن الغذائي، مما يعكس نطاقاً متزايداً من التأثيرات المحتملة عبر مختلف القطاعات.
ومع استمرار التقدم في الاستشعار الكمي، قد تتحول القدرات التحويلية للألماس من الاستخدامات التقليدية إلى لعب أدوار حاسمة في جبهات تكنولوجية جديدة، مما يشير إلى أن مستقبل الألماس يكمن في وظيفته كمكونات أساسية في “الثورة الكمومية” القادمة.
أ ش أ

