دراسة تكشف دور مداعبة الكلاب فى تقليل استجابة الجسم للتوتر
كشفت دراسة جديدة أن مداعبة الكلاب قد تساعد أصحابها على مواجهة المواقف المجهدة بهدوء أكبر، إذ أظهر المشاركون الذين لمسوا كلابهم بعد اختبار نفسى مرهق استجابات دماغية وقلبية أقل حدة عند خوض اختبار آخر بعد فترة قصيرة، ولم يظهر التأثير الوقائى نفسه لدى من اكتفوا بالجلوس بالقرب من كلابهم والتحدث إليها والتواصل البصرى معها دون لمسها.
ويُعرف هذا التأثير باسم “تخفيف التوتر”، ويشير إلى دور التفاعل الاجتماعى الداعم فى تقليل الاستجابات الجسدية والعاطفية للمواقف الصعبة، وتأتى الدراسة امتدادا لأبحاث سابقة ربطت التفاعل مع الحيوانات الأليفة بانخفاض استجابات التوتر، لكنها ركزت على عزل أثر اللمس الجسدى عن بقية أشكال التفاعل، لمعرفة ما إذا كان يسهم فى حماية الجسم من تأثير الضغوط اللاحقة.
أجرى الدراسة باحثون من قسم علم النفس بجامعة إنسبروك ومختبر الدماغ والسلوك، وهم فانيسا كوفمان وأنيت شيرمر، بالتعاون مع شياو تشين تشنغ، وشارك فى التجربة 66 من أصحاب الكلاب وحيواناتهم الأليفة، واستُبعد شخص انسحب مبكرا وآخر بسبب الضوضاء الزائدة فى تسجيلات الدماغ، لتضم العينة النهائية 64 بالغا من ذوى البشرة البيضاء والأصول الأوروبية، بينهم 51 امرأة و13 رجلا، بمتوسط عمر بلغ 34 عاما، وكانت جميع الكلاب بصحة جيدة، وتزيد أعمارها على عامين، وتشعر بالراحة فى الغرف غير المألوفة.
خضع كل مشارك لتجربتين تتكون كل منهما من 5 دقائق للراحة الأساسية، و10 دقائق لاختبار الإجهاد، ودقيقة للراحة بعده، ثم 5 دقائق للتعافى مع الكلب، تليها 5 دقائق أخرى للراحة، وخلال اختبار الإجهاد، طُلب من المشاركين الإجابة عن أسئلة معلومات عامة خلال 5 ثوانٍ، مع العد التنازلى بإيقاع نقطة حمراء وامضة، وأُبلغوا بأن أداءهم سيُسجل لتحليله لاحقا، بينما راقبهم أحد أعضاء الفريق عبر مكالمة فيديو وقدم لهم ملاحظات نقدية بهدف تحفيز القلق من التقييم السلبى.
واختلفت التجربتان خلال فترة التعافى فقط، إذ سُمح للكلب فى اختبار اللمس بالتجول بحرية، ما أتاح لصاحبه مداعبته أو حمله بصورة عفوية، أما فى اختبار عدم اللمس، فربط الكلب بحبل قصير بعيدا عن متناول صاحبه، مع السماح بالتحدث إليه والتواصل البصرى معه، وأكمل 31 مشاركا اختبار اللمس أولا، بينما بدأ 33 مشاركا باختبار عدم اللمس.
راقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام قبعة تضم 64 مستشعرا لتخطيط كهربية الدماغ، مع قياس معدل ضربات القلب وتقلباته بواسطة مستشعرات على الساعد، كما تابعوا الحالة المزاجية وسلوك المشاركين خلال التجربة باستخدام التقييمات الذاتية وتسجيلات الفيديو، وأظهرت النتائج أن اختبار الإجهاد أدى إلى انخفاض موجات ألفا المرتبطة بالاسترخاء، وارتفاع موجات بيتا المرتبطة باليقظة والإجهاد الذهنى، إلى جانب تسارع ضربات القلب وانخفاض تقلباتها.
وعلى الرغم من أن المشاركين شعروا بمزيد من التوتر والمشاعر السلبية وفقدان السيطرة بعد الاختبار، فإن تقييماتهم الذاتية لم ترتبط بصورة واضحة بالتغيرات المسجلة فى الدماغ والقلب، كما أمضى المشاركون الذين سُمح لهم بلمس كلابهم نحو 64% من فترة التعافى فى تلامس جسدى معها، أى ما يقارب 3 دقائق و12 ثانية، وكان معظم هذا التلامس عبر مداعبة الفراء، وفى المقابل، زاد التواصل البصرى مع الكلاب بأكثر من 53 ثانية لدى المشاركين الذين مُنعوا من لمسها.
وخلافا لتوقعات الباحثين، لم يؤد لمس الكلب إلى تسريع التعافى الفورى، إذ عادت مؤشرات الدماغ ومعدل ضربات القلب والمزاج إلى مستوياتها الطبيعية بمعدلات متقاربة فى الحالتين، لكن الفائدة ظهرت عند التعرض لاختبار الإجهاد الثانى، إذ سجل المشاركون الذين داعبوا كلابهم خلال فترة التعافى الأولى استجابة بيولوجية أقل حدة، شملت انخفاض كبح موجات ألفا، وتراجع معدل ضربات القلب، وارتفاع تقلباته، إلى جانب شعور أكبر بالسيطرة، أما الذين مُنعوا من اللمس، فلم تظهر لديهم تغيرات بيولوجية وقائية ذات دلالة إحصائية خلال الاختبار الثانى.
وقال الباحثون إن التفاعل مع الحيوانات الأليفة يُستخدم منذ فترة طويلة فى التدخلات العلاجية، لكن الدراسات لم تركز بالقدر الكافى على تحديد الآليات التى تجعل هذا التفاعل مفيدا، وأوضحوا أن اللمس كان مرشحا مهما للدراسة، نظرا إلى شيوعه فى العلاقة بين الإنسان وحيوانه الأليف، وإلى الأدلة السابقة على قدرة اللمس الحنون بين البشر على تخفيف التوتر.
وتتفق نتائج نشاط الدماغ مع بحث نُشر عام 2024، ووجد أن التفاعل المباشر مع الكلاب يعزز نشاط موجات ألفا المرتبطة بالاسترخاء، ويرجح الباحثون أن مداعبة فراء الكلب قد تنشط أليافا عصبية متخصصة فى جلد الإنسان تستجيب للمسات اللطيفة والبطيئة، وترسل إشارات مهدئة إلى الدماغ، وأظهرت تسجيلات الفيديو أن المشاركين كانوا يمررون أصابعهم غالبا على فراء كلابهم، ما قد يحفز هذه المستقبلات الحسية.
ومع ذلك، لم يؤكد البحث التوقع المسجل مسبقا بأن اللمس يسرع التعافى مباشرة بعد اختبار الإجهاد الأول، كما أن التأثير الوقائى خلال الاختبار الثانى ظهر فى تحليل استكشافى يحتاج إلى تأكيد فى دراسة مصممة لاختباره بصورة مباشرة، ولم يستبعد الباحثون احتمال أن يكون لمس الكلب قد غير مقدار الجهد الذهنى الذى بذله المشاركون فى الاختبار الثانى، بما قد يفسر بعض الانخفاض فى الاستجابات الفسيولوجية.
وأشار الباحثون أيضا إلى أن الكلام خلال اختبار الإجهاد والصمت خلال فترات الراحة قد يؤثران فى أنماط التنفس وإيقاع القلب، ما يعنى أن بعض التغيرات القلبية قد ترتبط بجهد الكلام أو أداء المهمة، وليس بالتوتر العاطفى وحده، كما اقتصرت العينة على مشاركين أوروبيين بيض، وكانت النساء يشكلن نحو 80% منها، ما يستدعى إجراء دراسات على عينات أكثر تنوعا واختبار أنواع مختلفة من الضغوط اليومية، ومقارنة التفاعل مع الكلب الأليف بالتفاعل مع حيوان غير مألوف.
وأكد كوفمان وشيرمر أن النتائج تشير إلى أن التلامس الجسدى مع الحيوان الأليف قد يخفف استجابة الجسم للمواقف المجهدة اللاحقة، حتى إذا لم يشعر الشخص بفرق واضح فى مستوى التوتر، وشدد الباحثون فى الوقت نفسه على أهمية رفاهية الحيوان، مؤكدين أن التواصل الجسدى يجب أن يكون مرغوبا وإيجابيا للطرفين، إذ قد لا يكون الحيوان راغبا فى اللمس دائما، وتتمثل الخطوة المقبلة، بحسب الفريق، فى دراسة خصائص اللمس التى تسهم فى تنظيم التوتر، إلى جانب دور العلاقة مع الحيوان وتوقعات صاحبه ومعنى التفاعل بالنسبة إليه.
المصدر: وكالات
