إنه تصور خيالي : لكن تحقيقه في الواقع – ولو بدرجة ما – يقترب ، إنه تصور أن يتعرض عمود من الخرسانة لضغط هائل : فينثني ولا ينكسر ! وقد أعلنت “جامعة ميتشيجي” الأمريكية أن معملاً للأبحاث أنشأته خصيصاً لتطوير خرسانة قابلة للانثناء حقق نتائج مبشرة في هذا الشأن .
المعروف طبعاً أن ظهور الأسمنت وبالتالي الخرسانة كان من الأمور الأساسية التي شكلت واقع العالم الحديث : لكن يعيبها أنها عند درجة معينة تنكسر .
وقد ظهرت خطورة هذا في الانهيارات الفظيعة التي تنجم عن الزلازل المدمرة .
والاعتقاد الشائع عند الناس أن الحل في مواجهة خطر الزلازل هو التنبؤ بها قبل وقوعها بوقت كاف ، ومع أن العلماء ماضون في جهودهم الرامية إلى التنبؤ بالزلازل : إلا أنهم باتوا يعتقدون محدودية جدوى هذا التنبؤ ، بالإضافة إلى صعوبته الشديدة ، وبالتالي فإنه من الأجدى تطوير تكنولوجيات تجعل المبنى مقاوماً للزلازل إلى أقصى حد ممكن ، والحق أن أي مبنى يعتمد على الخرسانة يقاوم الزلازل : لكن انكسار الخرسانة يجعله ينهار عند درجة معينة من شدة الزلازل .
تقول “أكاديمية المهندسين القومية” الأمريكية إن الخرسانة القابلة للانثناء ستشكل منشآت القرن الحادي والعشرين .
لقد نشأ علم “الهندسة الزلزالية” منذ وقت ليس بالطويل ، وخلال مامضى من عمره : أحرز إنجازات مهمة ، والجيل الجديد من ناطحات السحاب التي تتطاول في البنيان تقوم على هذه الإنجازات ، لكن تكلفة التكنولوجيا المقاومة للزلازل مازالت عالية .
لم يمض الكثير من القرن الحالي .. فنحن الآن في سنة 2014 ، وهناك فسحة من الوقت لجعل الخرسانة القابلة للانثناء مادة للبناء للقرن الحادي والعشرين .. لإيجاد تشييد مقاوم للزلازل بتكلفة مقبولة .
ترى مجلة ” أمريكان سينتيست” أنه لو افترضنا أن مفاعل “فوكوشيما” النووي المستخدم في إنتاج الكهرباء والذي شهد الكارثة الإشعاعية المشهورة قد بني بخرسانة قابلة للانثناء : فإن التسرب الإشعاعي ماكان ليقع ، أو على الأقل كانت مستوياته قد انخفضت كثيراً .
من ناحيتها : تؤكد ” الجمعية الأمريكية للهندسة المدنية” أن استعمال هذه الخرسانة – وبغض النظر عن عامل الحد من المخاطر – في إقامة البنية التحتية ستكون له مزايا اقتصادية وبيئية متعددة .
أبحاث إيجاد مايمكن اعتباره “الخرسانة المرنة” بدأت في “جامعة ميتشيجن” منذ نحو 20 عاماً ، وهي التي وضعت أسس تحويل الحلم إلى حقيقة ، وقد طبق نوع من الخرسانة المرنة إلى حد ما في إقامة جسر في ولاية “ميتشيجن” سنة 2005 ، وفي اليابان التي تعاني الزلازل أكثر من غيرها : شيد برج سكني مكون من 41 طابقاً يعتمد عليها في “يوكوهاما” سنة 2007 ، وفيما تبقى من العقد الثاني من هذا القرن : من المتوقع أن تكتسب الخرسانة الجديدة موقعاً مهماً في الهندسة الإنشائية .
المصدر : مجدي غنيم المحرر العلمي لقناة النيل

