اليوم ذكرى رحيل الشاعر والأديب الكبير محمود بيرم التونسي (1893 ـ 1961)، أحد أبرز رموز الأدب الشعبي والصحافة الساخرة في مصر والعالم العربي، الذي غيبه الموت في الخامس من يناير عام 1961، بعد مسيرة حافلة بالإبداع والمعاناة، ترك خلالها أثرًا عميقًا في الوجدان الثقافي والفني، لا يزال حاضرًا رغم مرور عقود على رحيله.
ويظل بيرم التونسي حاضرًا بقوة في المشهد الثقافي، إذ ما زالت كلماته وأزجاله وأعماله الغنائية قادرة على ملامسة تفاصيل الواقع العربي المعاصر، رغم مرور أكثر من ستة عقود على رحيله، مؤكدا أن المبدع الحقيقي لا يغيب.
وُلد محمود محمد مصطفى بيرم الحريري الشهير ببيرم التونسي في حي الأنفوشي بالإسكندرية، في 23 مارس عام 1893، لأسرة ذات جذور تونسية هاجرت إلى مصر في القرن التاسع عشر، ومن هنا لُقّب بـ«التونسي».
تلقى تعليمه الأولي في الكتّاب، ثم التحق بالمعهد الديني بمسجد المرسي أبو العباس، قبل أن تنقطع دراسته بوفاة والده وهو في الرابعة عشرة من عمره، فيعود إلى دكان الأسرة دون أن يحقق فيه نجاحًا يُذكر.
وبرغم ذلك، امتلك بيرم ذكاءً حاداً وذاكرةً قوية، مكنته من تثقيف نفسه بنفسه، فحفظ «ألفية ابن مالك» ومئات القصائد من الشعر العربي القديم، واطلع على الأدب العربي والفرنسي، ليصوغ لاحقًا أسلوبًا فريدًا في الكتابة بالعامية المصرية، قريبًا من لغة الشارع وهموم الناس.
نال بيرم التونسي شهرته الأولى بعد قصيدة «بائع الفجل»، التي انتقد فيها مجلس بلدية الإسكندرية بسبب الضرائب العالية، قائلاً بسخرية: «قد أوقع القلب في الأشجان والكمد.. هوى حبيب يسمى المجلس البلدي»، فكشفت هذه القصيدة عن موهبته الفائقة في السخرية اللاذعة، لتبدأ بعدها رحلته في الصحافة؛ فأصدر مجلة «المسلة» عام 1919 ثم مجلة «الخازوق».
وكان بيرم يقوم بكل شيء بنفسه؛ يكتب المقالات، ويطبع الأعداد، ويوزعها على حسابه الشخصي، متحدياً بذلك الرقابة والاستعمار والأسرة الحاكمة، وللتحايل على محاولات إغلاق صحيفته، كتب على غلافها: «المسلة.. لا صحيفة ولا مجلة».
ودفع بيرم ثمن جرأته، خاصة بعد قصائده «البامية الملوكي» و«القرع السلطاني»، ليصدر قرار بنفيه خارج البلاد، وتبدأ رحلة منفى قاسية استمرت نحو 20 عامًا، تنقل خلالها بين تونس وفرنسا وسوريا ولبنان، وعاش خلال تلك السنوات مرارة الغربة، وعمل في مهن شاقة، من مناجم الفحم إلى المواني والمصانع والمكتبات، وأصيب بمرض في الرئة ظل يعاني منه حتى وفاته.
وعبّر بيرم عن غربته القاسية في قصيدته الشهيرة:
الأولة مصر قالوا تونسي ونفوني
والتانية تونس وفيها الأهل جحدوني
والتالتة باريس وفي باريس جهلوني
وبرغم المعاناة، لم ينقطع عن الكتابة، وظل يرسل أزجاله إلى الصحف المصرية، حتى قرر، بدافع الحنين، العودة إلى مصر متسللًا عبر ميناء بورسعيد، وعاش مختبئًا فترة، إلى أن توسط له الفنان سليمان بك نجيب لدى الملك فاروق، فصدر العفو عنه، مقابل كتابة زجل في مدح الملك، وهو ما فعله بيرم على مضض.
وبعد العفو، انطلقت مرحلة جديدة من الإبداع، إذ توافد عليه كبار المطربين والملحنين،وأسهم بيرم في تطوير المسرح الغنائي فكتب أوبريتات خالدة، من بينها «شهرزاد» التي لحنها سيد درويش، و«عزيزة ويونس» من ألحان زكريا أحمد، و«ليلة من ألف ليلة» للموسيقار أحمد صدقي، التي حققت أعلى إيرادات في تاريخ مسرح الدولة.
كما ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بالسيدة أم كلثوم، التي غنت له أكثر من 30 أغنية من روائع الطرب العربي، من بينها «شمس الأصيل»، «أنا في انتظارك»، «الحب كده»، و«القلب يعشق كل جميل»، التي صاغ فيها تجربة الحج بأرق وأصدق العبارات، وامتد إبداعه إلى فريد الأطرش، ومحمد عبد الوهاب، ومحمد فوزي، وليلى مراد، وغيرهم.
وفي السينما، كتب الحوار والأغاني لأكثر من 15 فيلمًا، من بينها «عنتر بن شداد»، «السوق السوداء»، و«يوم سعيد»، بينما قدم للإذاعة أعمالًا بارزة، من أشهرها مسلسل «سيرة الظاهر بيبرس»، إلى جانب مئات الأغاني والمنولوجات والاسكتشات.
وعقب قيام ثورة 23 يوليو 1952، أعلن بيرم تأييده لها، واعتبرها تحقيقًا لما نادى به طوال حياته من إصلاح ومقاومة للفساد، وفي عام 1960، منحه الرئيس جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية في الأدب، وحصل أخيرًا على الجنسية المصرية، بعد سنوات طويلة حمل فيها هوية غير هوية الوطن الذي عاش له وباسمه.
وفي الخامس من يناير عام 1961، توفي بيرم التونسي عن عمر ناهز 68 عامًا، متأثرًا بمضاعفات مرض الربو، ليرحل «ملك الأغنية الشعبية» تاركاً خلفه إرثاً كبيراً وُثق في 12 جزءًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
المصدر : أ ش أ

