بدء أعمال مؤتمر “الهوية الوطنية” بمكتبة الإسكندرية لمناقشة جذور الهوية المصرية ومستقبلها
بدأت فعاليات مؤتمر “الهوية المصرية .. جذور راسخة ورؤية متجددة” اليوم / الاثنين /، والذي تحتضنه مكتبة الإسكندرية على مدار ثلاثة أيام تحت رعاية الرئيس عبدالفتاح السيسي، بحضور عدد من الوزراء والمسؤولين ونخبة من المفكرين والباحثين، ونحو 450 شاباً وشابة يمثلون 27 محافظة مصرية، من طلاب المدارس والجامعات، إلى جانب الاتحادات الشبابية، والكشافة، ونماذج المحاكاة البرلمانية، ليكونوا شركاء حقيقيين في صياغة الرؤية المتجددة لشخصيتهم الوطنية.
ويناقش المؤتمر، عبر جلساته العلمية وحلقاته النقاشية وطاولته المستديرة، أهم القضايا المتعلقة بصياغة الهوية المصرية وحمايتها من التحديات المعاصرة، بالإضافة إلى بحث عدد من القضايا المتنوعة عبر الأيام الثلاثة، منها: “الهوية بين الماضي والحاضر والمستقبل”، و”الهوية والخطاب الثقافي” في اليوم الأول، و”الهوية في العصر الرقمي”، و”خطاب تيارات الإسلام السياسي تجاه الهوية المصرية”، و”الهوية الوطنية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية” في اليوم الثاني، وصولًا إلى “الفن والتراث والهوية”، و”استراتيجيات تعزيز الهوية بين الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني”، و”الابتكار وتعزيز الهوية الوطنية”، و”التعليم والهوية” في اليوم الثالث والأخير.
واستهل المؤتمر فعالياته بعرض الفيلم التسجيلي “الهوية المصرية: جذور راسخة ورؤية متجددة”، وهو من إنتاج مكتبة الإسكندرية، وتضمن توجيهات الرئيس السيسي في كلماته خلال أكثر من مناسبة وطنية، على إعادة تعريف الهوية المصرية وترسيخها ومواجهة محاولات التلاعب والعبث بها، بالإضافة إلى استعراض أبرز التحديات التي واجهت الدولة المصرية، والتي نجحت في اجتيازها بفضل وعي الشعب المصري وتماسكه ووحدته واصطفافه خلف قيادته السياسية.
ويُنتظر أن يشكل المؤتمر محطة فكرية بارزة تجمع بين الرؤية الأكاديمية والخبرة السياسية والدينية والثقافية، في مسعى جماعي لتوصيف عناصر الهوية المصرية الراهنة، ورصد التحديات التي تواجهها في ظل التحولات الرقمية والاجتماعية المتسارعة، ووضع أسس تعزيزها للأجيال القادمة.
وأكد مدير مكتبة الإسكندرية الدكتور أحمد عبد الله زايد، في كلمته خلال الجلسة الافتتاحية لمؤتمر “الهوية المصرية .. جذور راسخة ورؤية متجددة”، أن المكتبة تمثل منبرًا للتفاعل والحوار، تلتقي تحت مظلتها الأفكار والثقافات، بما يسهم في صياغة ملامح الحاضر واستشراف آفاق المستقبل، مشيرًا إلى أن انعقاد مؤتمر الهوية الوطنية في مكتبة الإسكندرية يأتي في توقيت تكتسب فيه قضية الهوية أهمية خاصة، في ظل ما يشهده العالم من تحولات عميقة ومتسارعة تعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته ووطنه والعالم من حوله.
وأضاف أن الهوية الوطنية ترتكز على الوعي بالتاريخ، وإدراك المسؤولية تجاه الوطن، والإيمان بالقيم الإنسانية المشتركة، موضحا أن الأمم تستمر وتزدهر بما تمتلكه من وعي وقيم وقدرة على التفاعل الإيجابي مع المتغيرات.
وأشار زايد إلى أن الأوطان الواثقة من هويتها تكون أكثر قدرة على الحفاظ على تماسكها وتحقيق التنمية والازدهار، مع التمسك بجذورها الحضارية والثقافية، لافتا إلى أن “الجذور تمنحنا الثبات”، وأن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء جسور متينة بين الحضارة والحداثة، بما يتيح للمجتمع مواصلة التطور دون التفريط في خصوصيته وهويته.
وأوضح أن الهوية الوطنية لم تعد تتشكل فقط داخل المؤسسات التقليدية، وإنما أصبحت وسائل الإعلام والفضاء الرقمي والأسرة والمدرسة والمؤسسات التعليمية والثقافية ساحات رئيسية لتشكيل الوعي والهوية، منوها بأن العالم المفتوح أتاح تدفق الصور والمعلومات والأفكار بلا حدود، وهو ما يفرض تنمية قدرة الأجيال الجديدة على التفكير النقدي والتمييز بين المعرفة والمعلومات المضللة.
وشدد مدير مكتبة الإسكندرية على أن الشباب يمثلون شركاء حقيقيين في صياغة مستقبل الوطن، مؤكدًا أن الوطنية مسؤولية وطاقة إيجابية ومشروع مجتمعي متكامل، تشارك في بنائه مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والمدرسة والأسرة والمؤسسات الثقافية.
وقال زايد إن مصر تمتلك حضارة متجددة وقادرة على استيعاب التنوع، بما أسهم عبر التاريخ في تشكيل شخصية مصرية متفردة، تجمع بين الأصالة والانفتاح، مشيرًا إلى أن الحفاظ على الهوية لا يعني الانغلاق عن العالم، وإنما الانفتاح الواعي الذي يحافظ على الخصوصية ويعزز القدرة على التواصل والتفاعل مع الحضارات الأخرى.
ولفت إلى أن انطلاق مؤتمر الهوية الوطنية من قلب الإسكندرية، تلك المدينة التي تمثل نقطة التقاء بين ضفاف البحر المتوسط والحضارات والثقافات، يحمل دلالة خاصة، ويجسد قدرة مصر على الجمع بين الاعتزاز بخصوصيتها الحضارية والانفتاح على العالم، معتبرًا أن الهوية تمثل جسرًا للتواصل والترابط الإنساني، وقوة دافعة للتنمية وتعزيز التماسك والترابط الاجتماعي ودعم الوعي الوطني.
ووجه الدكتور أحمد زايد الشكر إلى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي لرعايته المؤتمر، مؤكدًا أن هذه الرعاية تعكس الاهتمام الذي توليه الدولة بقضايا الوعي والهوية وبناء الإنسان، كما أعرب عن تقديره للدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، لدعمه للمؤتمر، الذي تستضيفه مكتبة الإسكندرية باعتبارها إحدى أهم المؤسسات الثقافية والمعرفية في مصر والعالم العربي.
بدوره، أكد المهندس أيمن عطية محافظ الإسكندرية، أن الإسكندرية تمثل جسرًا يربط مصر بالعالم، ونموذجًا حيًا لمدينة استطاعت عبر تاريخها أن تجمع بين التنوع والانفتاح على الحضارات والثقافات المختلفة، دون أن تفقد هويتها المصرية الأصيلة، مشيرًا إلى أن اختيار الإسكندرية لاستضافة مؤتمر “الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة” يعكس ما تتمتع به المدينة من إرث حضاري وثقافي فريد.
وأعرب عطية عن تقديره للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي لرعايته المؤتمر، موضحا أن بناء الإنسان يظل الركيزة الأساسية لبناء الوطن، وأن الاستثمار في وعي الإنسان وثقافته وقدرته على تحمل المسؤولية يمثل أساسًا لأي عملية تنمية حقيقية ومستدامة.
وقال محافظ الإسكندرية إن انعقاد المؤتمر يأتي في توقيت بالغ الأهمية، في ظل عالم سريع التحول على مختلف المستويات، الأمر الذي يفرض ضرورة تعزيز الوعي بالهوية الوطنية، لافتًا إلى أن مصر تمتلك تاريخًا ممتدًا لنحو 7 آلاف عام، بما يجعل الحفاظ على موروثها الحضاري والثقافي مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
وأضاف المحافظ أن المصريين يعتزون بكونهم شعبًا أصيلًا ارتبط عبر تاريخه بعقيدة التوحيد، كما ترسخت لديهم عقيدة الوطن والانتماء إليه، مؤكدًا أن هذه القيم تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية المصرية التي تشكلت عبر تراكم حضاري وثقافي ممتد.
وأشار إلى أن التطور التكنولوجي فرض تحديات هائلة أمام الهوية الوطنية، وهو ما يبرز مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الثقافية والإعلامية في بناء وعي متوازن لدى الأجيال الجديدة، قادر على التعامل مع التطورات المتلاحقة والاستفادة منها، مع الحفاظ على الثوابت والقيم والمقومات الحضارية للمجتمع.
وشدد عطية على أهمية الحفاظ على الهوية الوطنية والتصدي للشائعات والمعلومات المضللة، مؤكدًا ضرورة العمل على بناء إنسان واعٍ وقادر على تحمل المسؤولية، ويمتلك أدوات التفكير النقدي التي تمكنه من التمييز بين المعلومات الصحيحة والمغلوطة.
وأوضح أن الإسكندرية كانت على مدار تاريخها نموذجًا للتنوع الذي يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة، مشيرًا إلى أن المدينة احتضنت ثقافات وحضارات متعددة، وشهدت ازدهار الفلسفة اليونانية، كما أصبحت مع دخول الإسلام إحدى بوابات الحضارة الإسلامية، وبرز منها علماء ومفكرون أسهموا في إثراء مسيرة العلم والمعرفة.
ونوه بأن الثقافة والمعرفة من أهم أدوات بناء الوعي وتحقيق التنمية، لافتا إلى أن التنمية الحقيقية هي التي تضع الإنسان في قلب عملية التطوير، وتحافظ عليه وتعمل في الوقت ذاته على الارتقاء بجودة حياته.
وذكر أن الدولة ماضية في جهود تحسين جودة الحياة، وحماية التراث والبيئة وتطوير البنية التحتية، مع الحفاظ على ذاكرة الإسكندرية ومقوماتها التاريخية والحضارية، بما يحقق التوازن بين متطلبات التطوير والحفاظ على هوية المدينة.
وكشف عطية عن أن إجمالي المشروعات التي شهدتها الإسكندرية منذ عام 2014، سواء التي تم تنفيذها أو الجاري تنفيذها، بلغ 94 مشروعًا بتكلفة إجمالية تصل إلى 402 مليار جنيه، من بينها 63 مشروعًا تم الانتهاء منها، فيما يجري تنفيذ 31 مشروعًا، منوها بأن المحافظة تتطلع إلى الخروج من المؤتمر بـ “وثيقة الإسكندرية”، لتكون إطارًا جامعًا يمثل بداية لمسار مستمر من الحوار والعمل بشأن قضايا الهوية الوطنية، مؤكدا حرص المحافظة على التعاون مع جميع مؤسسات الدولة لتعزيز الهوية المصرية وترسيخ قيم الانتماء والمواطنة.
المصدر : أ ش أ
