النهار اللبنانية: هل يبقى الوضع في لبنان تحت السيطرة؟
تتنوع قضايا، اليوم الجمعة، في الصحافة العربية بين تحذيرات ميدانية وسياسية تصدر من قلب الأزمات، ورؤى تحليلة تفكك استراتيجيات الحروب ومآلات الصراعات، وصولاً إلى استكشاف الهوية والتاريخ والتحديات التكنولوجية المتسارعة. نستعرض فيما يلي أبرز ما كتبه كبار الصحفيين والمحللين العرب في كبرى الصحف العربية:
هل يبقى الوضع في لبنان تحت السيطرة؟
استهلت الكاتبة روزانا بومنصف في جريدة النهار اللبنانية، مقالها «هل يبقى الوضع في لبنان تحت السيطرة؟»، بمتابعة الجهود الحثيثة لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة، قائلة: «تكشف مصادر ديبلوماسية تركيز الجهود والاتصالات على إبقاء الوضع اللبناني الراهن تحت السيطرة وعدم انزلاقه إلى حرب جديدة تلوح بوادرها مجددا عبر التطورات المتسارعة في المنطقة. وتذكّر هذه المصادر بالتحذيرات الكثيرة التي وجهت إلى لبنان قبيل حرب إسناد غزة وخلالها، والجهود الكثيفة التي بذلت من أجل وقفها، بمعزل عن التطورات في القطاع الفلسطينين من دون جدوى، وكذلك التحذيرات قبل حرب إسناد إيران التي بدأها الحزب جنوبا في 2 آذار الماضي، وأدت إلى عودة الاحتلال الواسع لمناطق في جنوب لبنان».
وتابعت الكاتبة تسليط الضوء على حجم المخاطر والمحاذير القائمة، مشيرة إلى أن «المصادر تخلص إلى أن الأمور لن تكون مضمونة حتى لو بدا منطقها داحضا لأيّ مشاركة محتملة من الحزب في أيّ حرب جديدة على إيران، على خلفية خسارة جديدة لم تعد الطائفة الشيعية تتحملها ميدانيا ولا اجتماعيا ولا اقتصاديا، كما لا يتحملها لبنان ككل. وكانت لافتة إشارة بيان رئاسة الجمهورية في الإعلان عن اتصال بين رئيس الجمهورية جوزف عون ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى تأكيد الرئيس “ضرورة دعم الحلول الديبلوماسية باعتبارها السبيل الأفضل لوضع حدّ لنزاعات المنطقة”، فيما التحذير الإسرائيلي من توسيع الحرب لتشمل تهجير مزيد من أبناء الطائفة الشيعية وضم النبطية وشمال الليطاني، ترى هذه المصادر وجوب أخذه في الاعتبار وعدم تجاهله».
وأضافت بومنصف متوقفة عند التحذيرات الميدانية والرسمية: «فطبول الحرب تقرع والاستعدادات الأميركية والإسرائيلية تسير سواء بسواء مع الاستعدادات الإيرانية، بغض النظر عما إذا كان الاستعداد قد يعني أن الحرب ستحصل الآن، أي قبل موعد الانتخابات الإسرائيلية، أو لاحقاً بعد الانتخابات الأميركية، أو ربما لا تحصل إطلاقاً. لكن انخراط الحزب مجددا في أيّ حرب جديدة لمصلحة إيران أو لمصلحته الخاصة كلَّا ربطا بأيّ توظيف يتصل بالانتخابات المذكورة، يخشى أن يؤدي إلى انفلات الأمور على نحو يناقض كل الجهود التي بذلها لبنان لوقف توسع الاحتلال، وكذلك لوقف الاعتداءات الإسرائيلية».

عقيدة الركام.. أرض بلا حياة
وفي سياق آخر متصل بأبعاد الحروب، أوردت د. ندى أحمد جابر في صحيفة الخليج الإماراتية، مقالها «عقيدة الركام.. أرض بلا حياة»، بتحليل مفاهيمي لطبيعة الاستهدافات الحديثة، حيث استهلت القول: «بالعودة إلى ما كتبه الباحث ناثان ج. براون في الأول من يونيو(حزيران) 2026، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية، في مركز كارنيغي للسلام الدولي، في دراسة بعنوان «عقيدة الركام الإسرائيلية»، خلص فيها إلى أن التدمير لم يعُد بالضرورة نتيجة جانبية للحرب، وإنما يمكن فهمه بوصفه جزءاً من استراتيجية ترمي إلى إلحاق ضرر بالغ بالخصوم في بيئاتهم، بحيث تصبح استعادة قدراتهم وإعادة بناء مجتمعاتهم شديدة الصعوبة. فالحرب التقليدية تستهدف جيشاً، أو موقعاً، أو قدرة عسكرية، ثم تنتهي المعركة ويبدأ السؤال: كيف نعيد البناء؟».
وتابعت الكاتبة شرح أبعاد هذه العقيدة الخطيرة: «أما «عقيدة الركام»، فهي بحسب براون، تطرح منطقاً مختلفاً: كيف نجعل إعادة البناء نفسها صعبة؟ كيف يتحول المكان بعد الحرب إلى عبء على أهله؟ وكيف يصبح البيت المهدّم والطريق المقطوع جزءاً من معادلة فقدان الأمن، والأمل بعودة الحياة؟ كيف تصبح إعادة البناء حرباً جديدة؟ لذلك لا يمكن قياس ما أصاب غزة، وما أصاب لبنان، بعدد الشهداء والجرحى وحدهم، على فداحة الخسائر، ثمة ضحية أخرى اسمها.. المكان».
وأضافت جابر مؤكدة أن الخسارة الفعلية تتجاوز الأرقام لتطال أبعاداً إنسانية وذاكرية عميقة: «البيت ليس أربعة جدران فقط. قد يكون البيت تاريخ عائلة كاملة، بناه الأب وأضاف الابن فوقه، وزرع زيتونة أمامه، وتركت الأم مفتاحه معها حين نزحت لأنها كانت تظنّ أنها ستعود بعد أيام. لهذا البيت هنا سيرة حياة، وعمر سُحِق تحت الأسمنت. وهنا تبدأ حرب إعادة الحياة لذاكرة المكان، ومعاناة العودة. ناثان يرى أن الحرب لم تعُد مقتصرة على إضعاف الخصوم، وإنما تمتد إلى منعهم من إعادة بناء قدراتهم وإعادة الحياة بحيث يصبح التعافي شديد الصعوبة، أو مستحيلاً. إنها حرب الإعمار.. حرب أُعدّت كي تُستثمر اقتصادياً، واجتماعياً، وسياسياً».

ترامب وإيران: حرب الإرث واستحالة الحسم
وعن صراع الإرادات والعقوبات الدولية، ناقش الكاتب محمد ياغي في جريدة الأيام الفلسطينية، في مقاله «ترامب وإيران: حرب الإرث واستحالة الحسم»، التهديدات الاستراتيجية وحقيقة الحسم، حيث استهل بالقول: «لا يمضي يوم لا يُصرح به الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بأن الحسم مع إيران بات قريباً، فإما أن تخضع إيران عبر التفاوض أو سيتم إخضاعها بوسائل أخرى و»سريعاً» ملمحاً إلى أن الحرب القادمة ستكون سريعة وسيتم إجبار إيران خلالها على إعلان الاستسلام».
وتابع ياغي متعمقاً في الفارق المفهومي بين التفوق العسكري والقدرة على الإخضاع السياسي: «لا أحد يُشكك بالقوة الغاشمة والقاهرة للولايات المتحدة، فهي تصرف على وزارة حربها أكثر من ثلث ما تُنفقه دول العالم مُجتمعة على جيوشها، وهي تمتلك من وسائل القتل والدمار ما لا تمتلكه أي دولة أخرى. لكن الفرق بين القدرة على التدمير والقدرة على الإخضاع كبير جداً. يمكن لأميركا تدمير إيران، لكن لا يُمكنها إخضاعها، وهذا الوضع لا ينطبق على إيران وحدها، ولكن على كل الشعوب التي ترغب بالحفاظ على استقلالها والدفاع عن كرامتها، ولديها احترام لتاريخها وثقافتها. فأميركا احتلت العراق وأفغانستان، لكنها لم تتمكن من إخضاع أي منها واضطرت في النهاية للرحيل. ما الجديد الذي سيتغير في الحالة الإيرانية؟».
وأضاف الكاتب مفنداً جدوى السياسات القائمة على الحصار الاقتصادي: «لا يوجد مثال يُمكن الإشارة إليه خلال المائة عام الأخيرة بأن الحصار الاقتصادي تمكن من قلب نظام سياسي. الحصار الاقتصادي يضاعف معاناة الناس ويمكن المجادلة بأنه جريمة حرب عندما يتم منع وصول الدواء والغذاء لعموم الناس، لكن المراهنة على تحويل معاناة الناس إلى فعل سياسي يهدد النظام القائم هي مُجرد وهم، لأن الناس تُدرِك بفطرتها أن المُتَسبِب في ألمها ليس النظام القائم ولكن القوى الخارجية التي تحاصره. الحصار فعلياً قد يكون عاملاً في تعميق التضامن الاجتماعي وإعطاء النظام شرعية سياسية لرفضه الخضوع للقوى التي تقوم بحصاره».

صقلّية… جذور الحضارة العربية العائمة في البحر المتوسط
وفي استراحة فكرية تغوص في عمق التاريخ والثقافة، استهل الكاتب شوقي الريّس في جريدة الشرق الأوسط، مقاله «صقلّية… جذور الحضارة العربية العائمة في البحر المتوسط»، بالحديث عن التغاضي التاريخي عن دور الجزيرة، قائلاً: «جرت العادة بين الباحثين في تاريخ إيطاليا الثقافي والاجتماعي والفني، أن يركزوا على المدن التي شهدت انطلاق عصر النهضة وانتشاره منها إلى الحواضر الأوروبية عند مطالع القرن الخامس عشر. ويجنح معظمهم، عمداً في غالب الأحيان، إلى التعتيم على الدور الأساسي الذي لعبته جزيرة صقلّية في توفير الأرض الخصبة لذلك الانبعاث الحضاري الذي كان بوابة خروج الغرب من ديجور العصور الوسطى إلى العصر الحديث».
وتابع الريّس مبيناً الأثر العميق للحضور العربي المسلم في الجزيرة: «صقلّية هي أكبر الجزر في البحر المتوسط، وكلمة السر التي من دونها تستعصي قراءة المجتمع الإيطالي وتعقيداته التي وسمت سلوكه المدني وتشكّلت منها ملامح صورته الشائعة. لكنها أيضاً، وقبل أي شيء آخر، أحد الموائل الرئيسية للتلاقح الحضاري والثقافي عبر التاريخ، تعاقب عليها الإغريق والرومان بعد قرون من الوجود الفينيقي، وتركوا فيها بصمات لا تزال جليّة إلى اليوم، ثم خضعت طيلة قرنين ونيّف لحكم ثلاث سلالات عربية تركت فيها آثاراً عميقة جعلت منها لؤلؤة حضارية مشعّة في بحر كان ما زال يعجّ بالظلمات».
وأضاف الكاتب مستعرضاً المظاهر العمرانية والزراعية لهذا الانبعاث: «كان الأغالبة هم السلالة المسلمة الأولى التي حكمت صقلّية من أواخر الربع الأول من القرن التاسع حتى مطالع القرن العاشر، بعد أن أحكموا سيطرتهم على شمال أفريقيا من قاعدتهم في القيروان، وشنّوا هجوماً بحرياً واسعاً على الجزيرة بمساعدة قائد محلي كان يريد التخلص من الحكم البيزنطي. وحملوا معهم الحمضيات ذائعة الصيت اليوم في صقلّية، مثل البرتقال المر والليمون، وجاءوا بزراعة قصب السكر والقطن، والتوت الذي كان يُستخدم لتربية دود الحرير التي انتقلت بعد ذلك إلى توسكانة، وأصبحت من أبرز مفاخرها الصناعية. وحمل الأغالبة معهم منظومات الري عبر القنوات الجوفية الشهيرة، والنواعير، وتحولت الجزيرة على أيامهم الى «بستان عائم» كما في قول المؤرخين، وانتقلت معهم باليرمو من مدينة بيزنطية نائمة إلى حاضرة متعددة الأعراق والثقافات ومنارة علمية في البحر المتوسط».

عداوات الذكاء الاصطناعي وانتقام الروبوتات
وعن التحديات المستقبلية والذكاء الاصطناعي، استهلت الكاتبة دينا شرف الدين في صحيفة اليوم السابع، مقالها «عداوات الذكاء الاصطناعي وانتقام الروبوتات»، بالتحذير من التسارع المستمر في هذا المجال، قائلة: «من جديد أعود لأتحدث عن تلك الكارثة التي اخترعها البشر وتمادوا في تطويرها، حتى انقلبت عليهم لتخرج عن نطاق السيطرة، وتتردد هنا وهناك مخاوف من عدائها وقدراتها الانتقامية التي تفوق التصورات، وما هو أغرب من ذلك أن تلك المخاوف باتت تتردد على ألسنة كبار ومشاهير هذه الصناعة الحديثة المسماة بالذكاء الاصطناعي».
وتابعت شرف الدين معرجة على التصريحات والتحذيرات الصادرة من خبراء وتنفيذيين بارزين: «فقد كتبت سابقاً عدة مقالات عن نماذج بعينها للروبوتات الشهيرة مثل أميكا وكلود وغيرهما وحجم التطور المخيف الذي طوّروا به أنفسهم دون تدخل من صناعهم، ولكن ما استوقفني حديثاً ما حذر منه إيلون ماسك والذي كان كالتالي: “فقد حذر ماسك من خطورة وتبعات التعامل القاسي مع أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، إذ لم تكن الفكرة الأهم في كلامه أن هذه الأنظمة تشعر مثل البشر، بل إن طريقة تدريبها قد تزرع فيها سلوكيات غير مقصودة منذ البداية”. وهذا ما يربط الجدل المثار اليوم بسؤال أعمق عن كيفية بناء نماذج آمنة وقابلة للتوجيه مع تطور قدراتها. إذن فالمشكلة الحقيقية هنا ليست المشاعر، بل الحوافز، فعندما يحصل النموذج على تقييم خاطئ أو معيار غير دقيق، يبدأ في مطاردة الدرجة بدلاً من تقديم المعنى الصحيح، وهنا يظهر الخلل في السلوك حتى لو بدا كل شيء طبيعيًا على السطح. ما يوضح لماذا يركّز الباحثون حالياً على جودة التدريب والمواءمة بشكل أكبر، لا على الأفكار الدرامية المرتبطة بوعي الآلة».
وأضافت الكاتبة مؤكدة على أهمية وضوح القواعد ودقة الهدف في التدريب: «وكذلك أشار ماسك إلى أن التناقض في التعليمات والمبادئ قد يربك النموذج فعلاً، وعندما تُطلب منه أشياء متعارضة في الوقت نفسه، تصبح إجاباته أقل استقراراً وقد تظهر بشكل مراوغ أو متردد أو حتى غريب. ما يؤكد أن دقة الهدف ووضوح القواعد لا تقلان أهمية عن قوة النموذج نفسه. إذ إن الخطأ الصغير في التدريب قد يتحول لاحقاً إلى سلوك كبير التأثير، وما نكرره أثناء بناء هذه الأنظمة اليوم، قد يصبح جزءاً ثابتاً من طريقتها في العمل غداً».

أحمد علي