الغد الأردنية : تصعيد أسوأ من الحرب
من صخب الميادين العسكرية والسياسية اللاهبة، إلى الممرات الضيقة للنفوس التواقة لسلامٍ داخليّ وسط ضغوط العصر؛ ينسج كُتّاب الرأي اليوم لوحة تحليلية فريدة تتنقّل بمرونة بين ثقل الجيوبوليتيك ورهافة الإنسانية.
نبدأ جولتنا من مضيق هرمز الذي يواجه “تصعيداً أسوأ من الحرب” يعيد خلط الأوراق الإقليمية، لنعبر منه إلى رصد تفكيك تآكل الأساطير الخمس التي نهض عليها النظام الدولي القديم.
لكن التقرير لا يقف عند حدود السياسة الصلبة؛ بل ينفذ إلى تفاصيل حياتنا اليومية ليعيد تعريف جودة الحياة من خلال ركيزتين: دعوة دافئة لترسيخ “الذوق العام” كعقيدة سلوكية في مساحاتنا المشتركة، وقراءة نفسية عميقة تدعونا للتصالح مع ذواتنا والتخلص من عبء “وهم الكمال” الذي بات يسرق منا بهجة اللحظة في زمن الاستعراض الرقمي” ..
توازنات القوة الإقليمية ومخاطر تصعيد مضيق هرمز
في قراءة تحليلية لأبعاد التصعيد الأخير في منطقة الخليج العربي، يتناول الكاتب والمحلل السياسي فهد الخيطان في مقاله بصحيفة الغد الأردنية تحت عنوان “تصعيد أسوأ من الحرب”، تداعيات تعثر المفاوضات الدولية وانعكاساتها المباشرة على الأرض، مسجلاً ما نصّه:
“مذكرة التفاهم التي كان يفترض أن تكون أساسا لمفاوضات تفضي لاتفاق دائم بين واشنطن وطهران، تعثرت بعد أقل من شهر على توقيعها “عن بعد”. اجتماع جنيف لم يسفر عن نتائج تذكر، ومحاولات الوسيطين القطري والباكستاني، أخفقت في احتواء التصعيد”.
ويكشف الكاتب عن التبعات الاقتصادية العميقة التي ألقت بظلالها على الأسواق العالمية ومناخ الاستقرار في المنطقة جراء هذا التوتر المحموم:
“بيد أن هذا التصعيد على محدوديته حتى هذه اللحظة، خلف نفس القدر من التداعيات التي رافقت الحرب الواسعة قبل أشهر. أسعار النفط قفزت بنسبة 8 % في غضون ثلاثة أيام، وحركة الملاحة تراجعت بشكل كبير عبر المضيق، ويبدو أن حركة النقل الجوي في طريقها للتأثر، بعد تحذيرات أوروبية لخطوط طيرانها بتجنب الأجواء الخليجية”.
كما يحذر من امتداد هذه الأزمة وتأثيرها المباشر على التنمية وثقة المستثمرين في بيئة الأعمال الخليجية:
“وما يضاف سوءا على ذلك كله، ما يتركه هذا التصعيد من تأثيرات سلبية على مناخ الاستقرار في دول الخليج العربي، التي وظفت كل طاقتها ونفوذها للوصول إلى وقف إطلاق النار, وشرعت في ترميم أوضاعها الداخلية، واستعادة ثقة مجتمع الأعمال والاستثمار العالمي بنموذجها الاستثماري، وجاذبيتها الاقتصادية”.
تآكل الأساطير التأسيسية وبنية النظام الدولي القديم
وفي تشريح فكري وفلسفي لجذور النظام العالمي الآخذ في التداعي وتفكيك الأساطير الكبرى التي بنته عقب الحرب العالمية الثانية، رصد مقال سمير عطا الله كاتب الرأي في صحيفة الشرق الأوسط تحت عنوان “لكن ما النظام القديم؟” ، أفول تلك المفاهيم الحاكمة للتاريخ المعاصر، مسجلاً ما نصّه:
“طغت أحاديث النظام العالمي الجديد في السنوات الأخيرة على کل موضوع آخر. لكن ماذا كان النظام القديم الذي نودِّع ، أي ذلك النظام الذي ساد العالم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية؟ يتفق المؤرخون على أنه بُني على خمس أساطير: نهاية العالم الوشيكة، وفكرة البطل، والوحش، والشهيد، والقيامة الأخيرة”.
ويوضح الكاتب كيف بدأت هذه الرموز التاريخية تفقد سطوتها وتأثيرها المباشر على الوعي الجمعي الإنساني بفعل التحولات السياسية الراهنة:
“على مدى الأعوام العشرين الماضية، فقدت كلٌّ من هذه الأساطير والنماذج الأصلية تأثيرها على الوعي العالمي. خذْ نموذج البطل، على سبيل المثال. لم يعد أحد يؤمن حقاً ببطل الحرب السوفياتي، وقد تأثرت صورة بطل الحرب البريطاني بماضيه الاستعماري. حتى الجندي الأمريكي يتعرض لانتقادات مستمرة”.
وينبه إلى خطورة هذا الفراغ القيمي الذي يسهم في تآكل الروابط الجامعة للمنظومة الدولية الحالية مع غياب جيل التجربة الأول:
“الأساطير الخمس (نهاية العالم الوشيكة، وفكرة البطل، والوحش، والشهيد، والقيامة الأخيرة) أسفرت عن الرواية الشاملة التي بُني عليها عالم ما بعد الحرب. واليوم، ترحل الأجيال التي بنت هذه الأساطير. برحيلهم، نفقد الرابط الذي كان يجمع النظام الدولي”.
سيكولوجيا “الذوق العام” وصناعة المجتمع المتحضر
ومن زاوية اجتماعية وتربوية تلامس تفاصيل الحياة اليومية، تدعو الكاتبة هيا خالد الهاجري في مقالها بصحيفة الخليج الإماراتية تحت عنوان “الذوق العام”، إلى استعادة الممارسات السلوكية الراقية في الفضاءات المشتركة، مسجلة ما نصّه:
“بعض السلوكيات، رغم بساطتها، تعكس صورة الشخص وثقافته وتربيته أكثر من المواقف الكبيرة، فالشخص الذي يتوقف لحظة ليمسك الباب لمن خلفه، أو يقف على يمين السلم الكهربائي تاركاً الجهة اليسرى لمن هو مستعجل، إنما يرسل رسالة واضحة صامتة تخبر الآخر: أنا أراك، وأحترم وجودك”.
وتنبه الكاتبة إلى الدور التربوي المحوري في ترسيخ هذه القيم لتتحول إلى عقيدة اجتماعية لا تحتاج إلى رقابة خارجية أو قوانين ملزمة:
“وهذا النوع من السلوك قد لا تفرضه قوانين مكتوبة، ولا تراقبه كاميرات أو جهات رسمية، بل هو صادر من احترام الإنسان لأخيه الإنسان، وإدراكه أن المساحات والأماكن العامة مشتركة وللجميع حق فيها”.
وتخلص إلى أن غرس هذه المبادئ في سن مبكرة يمثل حجر الأساس لسلامة البنية المجتمعية وتماسكها الإنساني:
“لذلك، فإن تعليم الأبناء هذه السلوكيات مبكراً، عبر القدوة العملية من الآباء، يُعد استثماراً طويلاً الأمد في بناء مجتمع أكثر تحضراً وتراحماً”.
وهم “الكمال” وضغوط البيئة الرقمية والاجتماعية
أخيراً، ومن سياق التحليل النفسي والتربوي لضغوط العصر الرقمي الحديث والآثار النفسية المترتبة على السعي خلف “الكمال الزائف”، يستعرض الكاتب محمود سليم في مقاله بموقع صحيفة الوفد تحت عنوان “وهم الكمال يسرق منا الحياة”، خطورة فقدان التوازن النفسي جراء الركض وراء معايير النجاح الافتراضية، مسجلاً ما نصّه:
“في عالم أصبح يقيس الإنسان بعدد إنجازاته، وسرعة نجاحه، وصورته المثالية على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد الكمال مجرد هدف يسعى إليه البعض، بل تحول إلى عبء نفسي يثقل حياة الملايين، فكل يوم نجد أنفسنا في سباق لا ينتهي لإثبات الجدارة، وإرضاء الآخرين، والظهور بصورة لا تشوبها شائبة، حتى أصبح الخطأ مصدرًا للخجل، والضعف سببًا للاختباء، والاختلاف مدعاة للشعور بالنقص”.
“وسط هذا الواقع، يأتي كتاب “هبات النقص” (The Gifts of Imperfection) للدكتورة الأمريكية برينيه براون ليقدم رسالة مختلفة تمامًا، فهو لا يدعو إلى الاستسلام أو التخلي عن الطموح، وإنما يطرح سؤالًا بسيطًا لكنه عميق: ماذا لو كان سعينا الدائم إلى الكمال هو السبب الحقيقي في تعاستنا؟”.
ويفند الكاتب الخلط الدائم في ثقافتنا بين مفهوم الضعف الإنساني الطبيعي والفشل، مؤكداً على قيمة التصالح مع الذات لبناء استقرار نفسي حقيقي:
“ففي ثقافتنا، غالبًا ما يرتبط الضعف بالفشل أو قلة الحيلة، بينما ترى براون أنه مصدر للشجاعة، لأن الاعتراف بالخوف أو الحزن أو عدم اليقين يحتاج إلى قوة أكبر من إخفائها، فالإنسان الذي يتصالح مع مشاعره يصبح أكثر قدرة على بناء علاقات صادقة، وأكثر استعدادًا لخوض التجارب دون خوف مبالغ فيه من الفشل”.
ويخلص الكاتب بتقديم صياغة متوازنة تفرق بوضوح بين الطموح السليم والوقوع في شرك العبودية للرأي الآخر:
“لا يدعو كتاب هبات النقص إلى التخلي عن الطموح، وإنما يدعو إلى التخلي عن الوهم. فهناك فرق بين أن يسعى الإنسان إلى تطوير نفسه، وبين أن يعيش أسيرًا لفكرة أنه لن يكون مقبولًا إلا إذا كان كاملًا. والطموح الصحي لا يتعارض مع تقبل الذات، بل يبدأ منه”.
تحرير : مروة عبد الحفيظ




