الثقافة خارج الجدران.. رؤية “الجمهورية الجديدة” لبناء الإنسان وتعزيز الوعي وترسيخ الهوية الوطنية
على مدار عقود، ارتبطت الفعاليات الثقافية بالمسارح وقاعات العرض ودور الثقافة، إلا أن المشهد الثقافي في مصر شهد تحولا بارزا خلال السنوات الأخيرة، مع توجه المؤسسات الثقافية إلى نقل أنشطتها خارج مقارها التقليدية والوصول مباشرة إلى المواطنين في الشوارع والميادين والحدائق العامة والقرى والمناطق النائية.
ويعكس هذا النهج إدراكا متزايدا بأن الثقافة لا تكتمل رسالتها إلا عندما تصبح متاحة للجميع، وقادرة على مخاطبة مختلف الفئات في أماكن وجودها، بما يعزز الوعي المجتمعي ويجعل الإبداع جزءًا من الحياة اليومية.
ويأتي هذا التحول متسقا مع رؤية الجمهورية الجديدة، التي تضع بناء الإنسان المصري في صدارة أولوياتها، وتنظر إلى الثقافة باعتبارها أحد الركائز الأساسية لترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز قيم الانتماء والوعي، وتوسيع نطاق العدالة الثقافية.
ولم يعد الهدف مقتصرا على تقديم الفعاليات داخل المؤسسات الثقافية، بل امتد إلى إيصال المنتج الثقافي إلى مختلف فئات المجتمع، بما يضمن اتساع دائرة المشاركة الثقافية، ويجعل الثقافة أكثر حضورا وتأثيرا في حياة المواطنين بمختلف المحافظات.
وجاء هذا التحول نتيجة توسع المؤسسات الثقافية في تنفيذ برامجها خارج العاصمة، من خلال قصور الثقافة، والمكتبات العامة، والمسرح المتنقل، والقوافل الثقافية، وورش الفنون، والأنشطة الموجهة للأطفال والشباب، لتصبح الثقافة جزءًا من الحياة اليومية في العديد من القرى، بعد أن ظلت لعقود طويلة مرتبطة بالمراكز الحضرية الكبرى.
ورغم اتساع نطاق هذه المبادرات، يظل التساؤل قائمًا حول مدى نجاحها في إحداث تغيير حقيقي في الحياة الثقافية داخل الريف المصري، وقدرتها على تكوين جمهور جديد للفنون والقراءة والإبداع، وترسيخ حضور ثقافي مستدام خارج العاصمة.
من المركزية إلى العدالة الثقافية
ظل النشاط الثقافي في مصر لعقود طويلة متمركزا في المدن الكبرى، حيث المسارح، ودور السينما، وقاعات الندوات، والمكتبات المركزية، وهو ما جعل الوصول إلى الخدمات الثقافية أكثر سهولة لسكان المدن مقارنة بأبناء المحافظات والقرى.
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا في فلسفة العمل الثقافي، فلم يعد الهدف انتظار الجمهور داخل المؤسسات، بل الانتقال بالمنتج الثقافي إلى المواطنين في أماكن وجودهم، عبر أنشطة ميدانية تستهدف الفئات التي لم تكن تصل إليها الخدمات الثقافية بصورة منتظمة.
وشملت هذه الأنشطة عروضا مسرحية، وأمسيات شعرية، وحفلات موسيقية، وعروضًا للفنون الشعبية، وورشًا للرسم والتصوير، وندوات توعوية، ومعارض للكتاب، إلى جانب برامج متنوعة للأطفال، بما أسهم في خلق بيئة ثقافية أكثر تفاعلًا مع المجتمع المحلي.
الثقافة وبناء الإنسان
ولا يقاس نجاح المبادرات الثقافية بعدد الفعاليات المنظمة، وإنما بما تتركه من أثر في تشكيل وعي المواطنين، خاصة الأطفال والشباب، إذ تمثل الثقافة إحدى أهم أدوات بناء الشخصية، وترسيخ قيم الانتماء، واحترام التنوع، وتنمية الإبداع والتفكير النقدي.
وفي القرى، حيث تقل فرص الوصول إلى الفنون والأنشطة الثقافية، أتاحت هذه المبادرات للأطفال التعرف إلى المسرح والموسيقى والفنون التشكيلية والقراءة، كما وفرت للشباب مساحة للتعبير عن مواهبهم من خلال ورش تدريبية يشرف عليها فنانون ومتخصصون.
ولم يقتصر دورها على تقديم عروض فنية، بل امتد إلى بناء علاقة مستمرة بين المواطن والمؤسسة الثقافية، بما يسهم في تكوين جمهور جديد للفنون وتعزيز حضور الثقافة في الحياة اليومية.
المسرح يغادر العاصمة
كان انتقال العروض المسرحية إلى المحافظات والقرى، سواء عبر المسارح المتنقلة أو فرق قصور الثقافة التي تقدم عروضها في الساحات المفتوحة، من أبرز مظاهر هذا التحول.
وأتاح ذلك لسكان مناطق لم تكن تشهد نشاطًا مسرحيًا منتظمًا فرصة متابعة عروض متنوعة دون الحاجة إلى السفر، وهو ما انعكس في زيادة الإقبال، خاصة من الأطفال والأسر، وأسهم في تعريف جمهور جديد بفنون المسرح.
كما عززت عروض الفنون الشعبية والموسيقى التراثية حضور الموروث الثقافي المصري، ومنحت المجتمعات المحلية فرصة أكبر للتفاعل مع فنونها التقليدية والحفاظ عليها.
الكتاب يبحث عن قارئ جديد
حظيت القراءة بنصيب مهم من المبادرات الثقافية، من خلال تنظيم معارض للكتاب، وإطلاق مكتبات متنقلة، وعقد لقاءات مع الأدباء والكتاب، إلى جانب مسابقات للقراءة والكتابة الإبداعية.
وتمثل هذه الأنشطة محاولة لبناء علاقة جديدة بين الأطفال والكتاب، في ظل المنافسة المتزايدة التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية على اهتمام الأجيال الجديدة.
اكتشاف المواهب في المحافظات
أسهمت المبادرات الثقافية أيضًا في اكتشاف مواهب جديدة في الأدب والموسيقى والمسرح والفنون التشكيلية، بعدما وفرت الورش الفنية والمسابقات الثقافية منصة لإبراز المبدعين في المحافظات، وإتاحة فرص التدريب والعرض والمشاركة في الفعاليات الثقافية على مستوى الجمهورية.
بين الإنجازات والتحديات
ورغم التطور الملحوظ في انتشار الأنشطة الثقافية خارج العاصمة، فإن تحقيق أثر مستدام لا يزال مرتبطا بعدد من التحديات، من بينها ضمان استمرارية الفعاليات، وتوفير الموارد اللازمة لتطوير البنية الثقافية في المحافظات، وزيادة أعداد المدربين والمتخصصين، إلى جانب تعزيز التعاون مع المدارس والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني.
ويرى متابعون أن تقييم نجاح هذه المبادرات ينبغي ألا يعتمد فقط على عدد الأنشطة المنفذة، وإنما على قياس أثرها في رفع معدلات القراءة، واكتشاف المواهب، وتوسيع المشاركة المجتمعية، وترسيخ الثقافة باعتبارها جزءًا من الحياة اليومية للمواطن.
الثقافة والتنمية… مسار واحد
أصبحت الثقافة اليوم عنصرا رئيسيا في مفهوم التنمية الشاملة، فهي لا تقتصر على تنظيم الفعاليات والعروض الفنية، وإنما تسهم في بناء الإنسان، وصون الهوية الوطنية، وتعزيز قيم الانتماء والإبداع، وفتح آفاق جديدة أمام الأطفال والشباب.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار وصول الخدمات الثقافية إلى القرى المصرية لا يمثل هدفًا ثقافيًا فحسب، بل يعد استثمارًا طويل الأمد في المجتمع، يعزز قدرته على مواجهة التحديات، ويحافظ على تراثه، ويهيئ بيئة أكثر دعمًا للإبداع والمعرفة.
«الماريونيت» في مترو الأنفاق
وفي إطار هذا التوجه، أعادت وزارة الثقافة إحياء فن العرائس المتحركة «الماريونيت» من خلال تقديم عروض داخل محطات مترو الأنفاق، في خطوة تستهدف الوصول بالفنون إلى المواطنين في أماكن وجودهم اليومية، وتحويل محطات النقل إلى فضاءات نابضة بالإبداع والبهجة.
وتعكس المبادرة رؤية ثقافية تقوم على كسر النمط التقليدي للعروض الفنية، بعدم انتظار الجمهور داخل المسارح وقاعات العرض، وإنما الانتقال إليه في قلب الشارع، لتصبح الثقافة جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
ويُعد «الماريونيت» أحد أعرق فنون العرائس المتحركة في العالم، ويعتمد على تحريك الدمى بخيوط دقيقة تمنحها قدرة كبيرة على التعبير والحركة، جامعًا بين التمثيل والموسيقى والاستعراض البصري.
وقد ارتبط هذا الفن بذاكرة أجيال من المصريين، خاصة خلال ازدهار مسرح العرائس في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
كما شهدت مصر اهتمامًا مبكرًا بفنون العرائس، لما تؤديه من دور في تشكيل وعي الأطفال وتقديم الرسائل التربوية والفنية بأسلوب مبسط وجذاب، لتظل إحدى أبرز علامات الذاكرة الثقافية المصرية.
وقال المخرج محمد نور، المدير الأسبق لفرقة مسرح القاهرة للعرائس، في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط، إن مبادرة تقديم عروض «الماريونيت» داخل محطات المترو تمثل تجربة فنية وإنسانية تستهدف جمهورًا واسعًا في مساحة تجمع مختلف فئات المجتمع خلال تنقلاتهم اليومية.
وأوضح أن طبيعة المكان تفرض نمطًا مختلفًا من العروض يعتمد على السرعة والبساطة والخفة، نظرًا لأن جمهور المترو يعيش حالة دائمة من الحركة، مشيرًا إلى أن هذه الفقرات الفنية تضفي بعدًا حضاريًا وترفيهيًا يخفف من مشقة التنقل ويمنح الركاب لحظات من المتعة البصرية.
وأكد نور أن ما يُقدم داخل محطات المترو يظل في إطار العروض التعريفية والترفيهية المختصرة، وليس عروضًا مسرحية متكاملة، إذ يتطلب مسرح العرائس منظومة فنية تشمل النص الدرامي، والإضاءة، والموسيقى، والإخراج، وتقنيات التحريك، وهو ما يصعب توفيره داخل فضاء مفتوح وسريع الإيقاع.
وأشار إلى أن فن العرائس يقوم على الخيال والإبهار، ويحمل في جوهره بعدًا ساخرًا يعكس قضايا المجتمع، لافتًا إلى أن فن الأراجوز نشأ معبرًا عن نبض الشارع قبل أن يتطور إلى شكل مسرحي متكامل.
وأضاف أن فن العرائس لم يعد موجهًا للأطفال فقط، بل أصبح فنًا دراميًا قادرًا على مخاطبة مختلف الفئات العمرية والقضايا الإنسانية والاجتماعية.
وأكد أن هذا الفن يحمل رسائل تربوية وثقافية مهمة، موضحًا أن العلاقة الوجدانية بين الطفل والعرائس تساعد على غرس القيم والسلوكيات الإيجابية من خلال الحكايات والشخصيات الدرامية، بعيدًا عن أسلوب التلقين المباشر.
وتجسد عروض «الماريونيت» داخل محطات المترو نموذجًا لتجديد أدوات العمل الثقافي، إذ تجمع بين استعادة أحد الفنون التراثية وتقديمه في فضاء عام يشهد حركة يومية كثيفة، بما يعزز وصول الثقافة إلى شرائح أوسع من المجتمع.
كما تمثل هذه التجربة محاولة لإعادة الأطفال إلى التفاعل المباشر مع الفنون، في مواجهة هيمنة الشاشات الرقمية، عبر تجربة بصرية وإنسانية تقوم على التفاعل والانبهار اللحظي.
وتؤكد هذه المبادرات أن الثقافة قادرة على التجدد والخروج من أطرها التقليدية، من خلال أفكار مبتكرة تقترب من المواطنين، وتعيد للفنون دورها في نشر الوعي والجمال، وترسيخ الثقافة بوصفها ركيزة أساسية في مشروع بناء الإنسان والتنمية المستدامة.
كما يؤكد النهج الجديد في النهوض بالمنظومة الثقافية، الذي بدأت مؤشرات نجاحه ، أن الثقافة لم تعد مقصورة في صالونات النخب ، بل تشمل “الثقافة للشعب” ولكل المصريين في كل شبر على أرض الوطن وهو ما يكرس دور وزارة الثقافة كمؤسسة وطنية تضطلع بدور تنويري ومجتمعي فاعل، وتسعى إلى توسيع دائرة المشاركة الثقافية، وربط الثقافة بمسيرة التنمية الشاملة، بما يعزز مكانة القوة الناعمة المصرية داخليًا وخارجيًا، ويدعم جهود الدولة في بناء الإنسان وترسيخ الهوية الوطنية للإنسان المصري كصانع للتنمية وكهدف لها في الوقت نفسه.
