بعدما كادت الحرب الشعواء بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ووكلائها في المنطقة من جهة ثانية، أن تدفع العالم إلى حافة مواجهة أوسع، اقتربت من منطق الحرب العالمية، يبدو المشهد اليوم وكأنه هدأ نسبياً، لكن هذا الهدوء ليس سلاماً، بل إعادة تموضع تحت الضغط، فالحرب التي امتدت من عمق إيران إلى الساحات المتصلة بها، ولامست خطوط الطاقة والممرات البحرية الحساسة، كشفت عن أن الإقليم لم يعد ساحة نزاع محلي، بل نقطة تقاطع مصالح دولية يمكن لأي خلل فيها أن ينعكس فوراً على الاقتصاد والأمن العالميين.
لم يكن اندلاع هذه الحرب، نتيجة لحظة انفعال أو حادثة مفاجئة، بل خلاصة مسار طويل من التصعيد المتدرج، صراع على البرنامج النووي، وسباق صاروخي متسارع، وتوسع في شبكات النفوذ الإقليمي، في مقابل قرار أميركي وإسرائيلي بالانتقال من سياسة الاحتواء إلى محاولة كسر التوازن القائم وفرض قواعد ردع جديدة. ومع سقوط الخطوط الفاصلة بين الحرب المباشرة وغير المباشرة، تحولت المواجهة إلى اختبار مفتوح، أي استهداف للعمق، وضغط على البنية التحتية، ورسائل متبادلة على حافة الانفجار الشامل.
وعلى رغم انحسار وتيرة العمليات نسبياً، فإن الخطر لم يزل، فالأسباب التي فجرت الحرب ما زالت قائمة، بل وأكثر تعقيداً، فإيران لم تصل إلى نقطة الانكسار التي تدفعها إلى تغيير جذري في سلوكها، والرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يحسم بعد، بين تثبيت تسوية مشروطة، أو الذهاب أبعد في الضغط، في وقت يسعى رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ترجمة نتائج المواجهة إلى واقع إقليمي دائم يعيد تشكيل ميزان القوى. وبين هذه الخيارات المتعارضة، يبقى السؤال مفتوحاً، وهو هل ما نشهده هو نهاية الحرب؟ أم مجرد هدنة هشة تسبق جولة أشد؟
والحقيقة أن أحداً لا يملك الإجابة، لأن ما تغير ليس فقط مستوى التصعيد، بل طبيعة الصراع نفسه.
ذلك أن ما جرى ويجري اليوم، ليس حرباً عابرة بين الولايات المتحدة وإيران، بل لحظة تأسيس قسرية لشرق أوسط جديد يعاد فيه توزيع القوة والنفوذ والخرائط تحت النار، لا على طاولة التفاوض. وهذه الحرب لم تخض لإسقاط نظام أو كبح برنامج نووي فحسب، بل لتحديد من يكتب قواعد الإقليم المقبل، دونالد ترمب ومن خلفه واشنطن؟ أم نظام طهران ومنظومته؟ أم بنيامين نتنياهو الذي يسعى إلى ترجمة الحرب إلى واقع جيوسياسي دائم؟
إذاً، الحرب بين أميركا وإيران لم تخض فقط لأن واشنطن تريد كبح برنامج نووي أو صاروخي، ولا فقط لأن إسرائيل أرادت استكمال الضربة التي بدأت سابقاً ضد البنية العسكرية الإيرانية، بل لأنها في جوهرها حرب على شكل الإقليم المقبل، من يسيطر على الممرات، ومن يملك حق الردع، ومن يفرض شروط الأمن، ومن يسمح له بأن يكون مركزاً إقليمياً، ومن يدفع إلى التراجع.
وتشير الوقائع المعلنة حتى الآن، إلى أن الحرب التي بدأت في الـ28 من فبراير الماضي جاءت بعد فشل مسار تفاوضي سابق، ثم تحولت إلى عملية أميركية – إسرائيلية، تستهدف تقليص القدرة الإيرانية على التخصيب والصواريخ والبحرية وشبكات التسليح الإقليمي، فيما ردت طهران عبر توسيع الاشتباك إلى مستوى يهدد مضيق هرمز، والطاقة، وحلفاء واشنطن الإقليميين. هذا وحده يكشف عن أن المعركة ليست تقنية حول تخصيب أو أجهزة طرد، بل استراتيجية حول من يحكم هندسة الشرق الأوسط الجديد، والسبب الأعمق للحرب هو أن الطرفين وصلا إلى قناعة متقابلة، بأن زمن الاحتواء الناعم انتهى.
وترى واشنطن وتل أبيب، أن إبقاء إيران عند عتبة القدرة النووية، مع استمرار برنامجها الصاروخي وقدرتها على تسليح الحلفاء والوكلاء، يعني أن أي شرق أوسط جديد سيولد تحت سقف الابتزاز الإيراني. في المقابل، ترى طهران أن الضغوط الأميركية ليست مجرد محاولة تعديل سلوك، بل مشروع لإعادتها إلى داخل حدودها الجيوسياسية، وتجريدها من أوراق القوة التي بنتها على مدى عقود، لهذا السبب بدا الخطاب الإيراني منذ ما قبل اندلاع الحرب مباشراً، بأن الولايات المتحدة تريد، وبحسب خطاب المرشد السابق علي خامنئي، أن “تبتلع إيران” وتعيد السيطرة على مواردها وقرارها، لا أن تفاوضها فقط.
من هنا، فإن هذه الحرب قامت لثلاثة أهداف متداخلة، الهدف الأميركي المباشر هو كسر البنية الصلبة للقوة الإيرانية، والصواريخ، والقدرات البحرية، والقدرة على تسليح الحلفاء، مع منع إيران من امتلاك سلاح نووي. بينما الهدف الإسرائيلي الأوسع، هو إسقاط فكرة الحزام الناري الإيراني الممتد من طهران إلى المتوسط، أو في الأقل تفكيك قدرته على العمل كمنظومة متصلة. أما الهدف غير المعلن بالكامل فهو إعادة توزيع القوة الإقليمية بحيث تصبح الممرات البديلة لهرمز، وربط النفط والغاز بالمتوسط، ودمج إسرائيل في بنية الطاقة والنقل والأمن، نتائج مباشرة لما بعد الحرب، لا مجرد أفكار مؤجلة. هذا المعنى ظهر علناً في كلام نتنياهو حين طرح بعد الحرب خطوط أنابيب نفط وغاز، تعبر غرباً عبر شبه الجزيرة العربية وصولاً إلى الموانئ الإسرائيلية على المتوسط، واعتبر ذلك “تغييراً حقيقياً سيعقب هذه الحرب”، و”ستزال نقاط الاختناق إلى الأبد”.
وعليه، وتبعاً للمعطيات، لا تتجه مآلات الحرب إلى نصر حاسم نظيف لأي طرف، بل إلى واحد من أربعة مسارات متداخلة، مع ترجيح مسار على آخر بحسب قدرة الوسطاء على تثبيت وقف للنار بشروط ثقيلة.
المسار الأول، وهو الأرجح حالياً، هو تسوية قسرية مشروطة، أي وقف لإطلاق النار، ولا يعني مصالحة، بل فرض قيود على البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، وربط أي تهدئة إقليمية بملف حلفاء طهران، وخصوصاً لبنان.
وتدفع المؤشرات الحالية بهذا الاتجاه، لأن واشنطن تؤكد استمرار المحادثات وتصفها بالمثمرة، فيما المعلومات القادمة من طهران، تقول إن إيران ما زالت تراجع المقترح الأميركي ولم تغلق الباب نهائياً، بالتوازي مع إصرارها على إدراج لبنان و”مجموعات المقاومة” في أي اتفاق أوسع.
أما المسار الثاني فهو حرب استنزاف إقليمية مضبوطة، لا حرب شاملة تسقط النظام الإيراني سريعاً، ولا سلام فعلي، بل جولات قصف وضربات متبادلة وتوتر دائم في الممرات والطاقة، مع استمرار الضغط على لبنان والعراق وربما اليمن. وسيظل هذا السيناريو قائماً لأن الولايات المتحدة عززت وجودها العسكري في المنطقة بآلاف المارينز والبحارة، وناقشت خيارات إضافية تشمل هرمز وحتى جزيرة خرج، مما يعني أن أدوات التصعيد لا تزال حاضرة بالكامل.
في المقابل، أظهرت الحرب حتى الآن، أن إيران قادرة على جعل كلفة الإقليم كله ترتفع، عبر الضغط على الطاقة والملاحة وأسواق النفط.
في حين أن المسار الثالث هو اتساع الحرب من إيران إلى الجبهة اللبنانية، بوصفها ساحة التعويض، وهذا احتمال جدي جداً، لأن إسرائيل فرقت علناً بين جبهتها مع إيران وعملياتها ضد “حزب الله”، بينما تصر طهران على أن يشمل أي وقف للنار لبنان أيضاً. هذه الفجوة بالذات شديدة الخطورة، إذا قبلت إيران صفقة تخصها ولم تنجح في انتزاع مظلة للبنان فقد يتحول لبنان إلى ساحة استكمال للحرب لا إلى ساحة ما بعدها، وإذا أصرت طهران على ربط الجبهتين فقد تتعثر التسوية كلها، لهذا السبب أن جزءاً من مستقبل الحرب لا يحسم فقط في طهران وواشنطن، بل أيضاً في بيروت وجنوب لبنان.
ويأتي هنا المسار الرابع، وهو الأكثر ضبابية، ويتمثل في تغيير داخلي إيراني من دون إسقاط كامل للنظام. وراهنت وتراهن واشنطن وبعض دوائر إسرائيل، على أن الضربة الواسعة قد تنتج تصدعاً داخلياً أو حتى لحظة تغيير في القيادة، وطرحت فكرة “فرصة تاريخية” لإحداث تحول في طهران، لكن هذا الرهان ليس مضموناً، بل إن التقديرات نفسها التي نقلت عن دوائر أميركية تشير إلى أن البديل قد يكون أكثر تشدداً لا أكثر اعتدالاً، لذلك فإن الحديث عن “إسقاط النظام” يبدو حتى الآن جزءاً من الحرب النفسية أكثر مما هو نتيجة ناضجة مضمونة.
وبناء على كل ما تقدم، فإن المنطقة بعد هذه الحرب لن تكون كما قبلها، حتى لو انتهت بتفاهم موقت، والسبب الأول أن سقف الاشتباك ارتفع، ولم تعد إيران محصنة من ضرب العمق، ولم تعد أميركا وإسرائيل تكتفيان بالحرب غير المباشرة، والسبب الثاني أن الاقتصاد صار جزءاً من العقيدة القتالية، هرمز، والطاقة، والممرات، والموانئ، والأنابيب كلها أصبحت أهدافاً تفاوضية وعسكرية معاً، أما السبب الثالث فهو أن ملف الوكلاء لم يعد هامشياً، بل انتقل إلى قلب التفاوض نفسه، بدليل الربط الإيراني الصريح بين أي وقف للنار والجبهة اللبنانية.
إذاً، اندلعت هذه الحرب لأن الجميع شعروا أن لحظة إعادة تشكيل الإقليم وصلت، أميركا تريد شرق أوسط أقل إيرانية، وأكثر خضوعاً لمعادلات الردع والممرات والاندماج، وإسرائيل تريد شرق أوسط يستبدل فيه بمنطق الحصار البحري الإيراني شبكات عبور نحو المتوسط، وإيران تخوض المعركة لأنها تعرف أن الخسارة ليست خسارة موقع تفاوضي فحسب، بل خسارة مكانتها كقوة تقرير في الإقليم، لذلك مآل الحرب المرجحة ليست سلاماً حقيقياً، بل تسوية تعيد ترتيب المراتب، إيران أضعف، وإسرائيل أكثر اندماجاً، والخليج أكثر انتظاماً أمنياً، ولبنان مهدد بأن يستخدم كحقل تصفية حسابات ما لم ينتزع له موقع واضح داخل أي ترتيبات مقبلة.
هنا يبرز سؤال محوري، كيف سيبدو شكل “الشرق الأوسط الجديد”؟ وهل هناك خرائط معلنة؟
ووفقاً لمتابعة التصريحات والمواقف، فإن “الشرق الأوسط الجديد” الجاري تشكيله يقوم على خمس ركائز مترابطة، وملخصها أن المنطقة بعد الحرب ليست كما قبلها.
لا يتشكل الشرق الأوسط الجديد كخريطة معلنة على الورق، بل كمنظومة نفوذ وممرات وتحالفات وقواعد اشتباك جديدة، وما يجري اليوم ليس فقط إعادة رسم الحدود بالنار، بل إعادة ترتيب من يدخل في المنظومة، ومن يعزل عنها، ومن يتحول إلى ساحة، ومن يصبح عقدة عبور للطاقة والتجارة والأمن. وانتقلت تصريحات وخطوات الأشهر الأخيرة من الدفع باتجاه توسيع الاندماج الإقليمي إلى إحياء الممرات الكبرى مثل IMEC أي الممر الاقتصادي بين الهند والشرق والأوسط وأوروبا، إلى الحديث عن ربط الخليج بالمتوسط، إلى ربط أي تهدئة مع إيران بلبنان، وكلها تشير إلى أن الصراع لم يعد فقط على الأرض، بل على شكل الإقليم نفسه ووظيفته في الاقتصاد والأمن العالميين.
وفي الخطاب الإيراني السياسي والفكري الرسمي يبرز توصيف الشرق الأوسط الجديد، بوصفه غطاء لمشروع “إسرائيل الكبرى”، مع خرائط تشمل دولاً عربية عدة بينها لبنان وسوريا والأردن والعراق وأجزاء من السعودية وسيناء. وبتصور رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه إنشاء “سداسي” من التحالفات حول الشرق الأوسط أو داخله، يضم دولاً من آسيا وأفريقيا وأوروبا والعالم العربي، وأن هذه المنظومة ستشمل الهند، ودولاً عربية وأفريقية واليونان وقبرص، إضافة إلى دول آسيوية أخرى.
ومن وجهة نظر نتنياهو أن هذه الدول “تتشارك في رؤية مختلفة عن المحور الشيعي المتشدد والمحور السني المتشدد الصاعد”، وأنه “من الممكن أن يحقق التعاون بيننا فوائد كبيرة، كذلك سيضمن بالطبع، قوتنا ومستقبلنا”، وذلك في تصريح قبل زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل.
شرق أوسط الممرات لا الشعارات
لم يعد المعيار الجديد من يملك السلاح فحسب، بل من يملك الميناء والأنبوب وخط الكهرباء والمعبر البري والعقدة اللوجيستية، لهذا السبب عاد الحديث بقوة عن الممر الهندي – الشرق أوسطي – الأوروبي، وعن ربط الأردن وسوريا ولبنان كهربائياً، وعن جعل العراق وتركيا ممراً برياً بديلاً، وعن نقل النفط والغاز إلى المتوسط بدل بقاء المنطقة رهينة المضائق البحرية وحدها، هذا يعني أن الإقليم الجديد يبنى على شبكات ترابط اقتصادي وأمني تجعل الدول المفيدة هي الدول القابلة للربط، لا الدول الغارقة في الحروب المفتوحة.
دفعت الحرب الأخيرة مع إيران المنطقة إلى نموذج ردع جديد، أي ضربات مباشرة، واستهداف للبنية العسكرية، وضغط على الموانئ والمضائق، ورسائل إلى الحلفاء والوكلاء في الوقت نفسه مقابل التهديد بإغلاق هرمز، والحديث عن استهداف منشآت الطاقة، والربط بين وقف النار في إيران ولبنان، كلها مؤشرات إلى أن أي ترتيب قادم لن يكون دبلوماسياً فحسب، بل أمنياً وعسكرياً بامتياز، أي دولة تريد أن تدخل هذا الشرق الأوسط الجديد يجب أن تثبت أمرين، أنها قادرة على ضبط أرضها، وأنها لا تسمح بأن تتحول إلى منصة دائمة لحروب الآخرين.
وطبيعي بأنه ليس كل دول المنطقة ستدرج بالدرجة نفسها، هناك نواة يجري تثبيتها بوصفها منظومة مركزية للمرحلة المقبلة، ودول أخرى ستدخل بشروط، ودول ستترك خارج الدائرة أو على هامشها.
ووفقاً للمسار القائم، فإن النواة المرجحة تضم السعودية والإمارات والبحرين، وقطر بدرجة مختلفة، والأردن ومصر وإسرائيل وتركيا، مع أدوار متفاوتة للعراق وسوريا ولبنان وفق قدرتها على التكيف، ويجمع هذه النواة شيء واحد، أنها تقع على تقاطع الأمن والطاقة والممرات وإعادة الإعمار. أما إيران فالمشروع لا يريد دمجها بصيغتها الحالية كقوة توسع عسكري، بل يريد إما تطويعها، أو احتواءها، أو دفعها إلى نسخة أقل هجومية وأكثر انكفاء، وحتى المواقف الخليجية الأخيرة تعكس هذا المنطق، ليس المطلوب بالضرورة إسقاط إيران فوراً، بل تغيير سلوكها ومنعها من الاحتفاظ بأدوات التخريب نفسها بعد الحرب.
من هنا، فإن ملف إعادة الإعمار ليس ملفاً إنسانياً فحسب، بل أداة سياسية لإعادة هندسة الدول المتضررة، ففي سوريا أرقام إعادة الإعمار هائلة، مما يعني أن من يمول سيطلب مقابلاً سياسياً وأمنياً. وفي لبنان أيضاً، إن التعافي الاقتصادي الموعود مشروط بالإصلاح والاستقرار وسحب السلاح، بمعنى آخر سيصبح التمويل وسيلة لإعادة تعريف الدولة ووظيفتها وحدود سلاحها وعلاقاتها الخارجية، لذلك فإن سوريا ولبنان مرشحان لأن يكونا جزءاً من الشرق الأوسط الجديد، لكن ليس كقوتين مقررتين، بل كساحتين يعاد تأهيلهما بشروط.

