الأهرام : يحدث في أمريكا.. ترامب يخنق إيران ويلعب شطرنج
يتناول ملف اليوم قضايا استراتيجية وفكرية وسياسية متنوعة؛ يبدأ بتحليل التحولات الهيكلية في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران والتحول من خيار الحسم العسكري المباشر إلى مسارات الاستنزاف والخنق الاقتصادي، ثم التأكيد على فضيلة التحالفات البحرية والدفاعية وإعادة التوازن الاستراتيجي لحماية حرية الملاحة واستقرار سوق الطاقة العالمي، بعده ننتقل الى تفكيك محددات التماسك الداخلي للمجتمع الإسرائيلي ورصد سيناريوهات الحرب الأهلية مع تصاعد مخاوف الانقسام الإثني والديني، وصولاً إلى قراءة فلسفية لنقد الحضارة المعاصرة لإعادة تأسيس السلام الكوني والعدالة الدولية.
تغير الاستراتيجية الأمريكية من الحسم العسكري إلى الاستنزاف الاقتصادي
في قراءة سياسية وتحليلية لمسارات الحرب الأمريكية الإيرانية والتحولات في تصريحات ومواقف الإدارة الأمريكية، يحلل الكاتب عثمان فكري في مقاله بصحيفة “الأهرام” المصرية تحت عنوان “يحدث في أمريكا.. ترامب يخنق إيران ويلعب شطرنج” ، أسباب تراجع خيار الضربات العسكرية الفورية والاعتماد على أدوات الخنق الاقتصادي، مسجلاً ما نصّه:
“دخلت الحرب على إيران في الشهر الخامس وأتذكر في يومها الأول عندما دأب الرئيس ترامب على التصريح بأنه خلال يوم أو يومين أو ثلاثة على الأكثر تقديرًا ستنتهي الحرب وكان يضيف أنه قد تم تدمير القدرات العسكرية لإيران ولم يعد لديها شيء، وها نحن ندخل الشهر الخامس للحرب وما زالت إيران قادرة على الصمود.
وأتذكر أيضًا عندما سألوا ترامب منذ ثلاثة أسابيع عن طول أمد الحرب على إيران؟ فكانت إجابته: بقينا في فيتنام لمدة تسع عشرة عامًا.. بينما نحن هنا منذ أربعة أشهر فقط.. وخلال شهر واحد فقط دمرنا قدراتهم البحرية بالكامل كما دمرنا قواتهم الجوية وقضينا على معظم صواريخهم ومعظم طائراتهم المسيرة.”
ويرصد الكاتب تعثر الترتيبات الدبلوماسية بشأن الملاحة والشروط الإيرانية المتجددة لإعادة فتح المعابر البحرية:
“وها نحن في الشهر الخامس وما زالت إيران تتحدى الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها ترامب بعد عرقلتها إعلان الاتفاق مع سلطنة عمان بشأن ترتيبات العبور في مضيق هرمز، ورفضها للحوار مع الولايات المتحدة، وأعلنت قائمة جديدة من المطالب لفتح مضيق هرمز كانت في السابق تضعها كشروط لإبرام اتفاق نووي مع الولايات المتحدة، ولكنها باتت تضعها الآن كشروط لفتح المضيق، وأعلن رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني المتشدد محمد باقر ذو القدر قائمة الشروط قبل أن يغادر منصبه بعدها بيوم واحد إذ أصدر المرشد الإيراني مجتبى خامنئي قرارًا بتعيينه مستشارًا سياسيًا له..”
ويختتم باستعراض الرؤية الأمريكية القائمة على خفض التصعيد العسكري المؤقت وتشديد الحصار المالي:
“ونتيجة لذلك كله لم يكن أمام دونالد ترامب بعد فشل كافة الضربات العسكرية إلا أن يعلن أنه في الوقت الراهن يفضل ترك الضغوط الاقتصادية تتصاعد على إيران بدلاً من إصدار أمر بشن هجوم عسكري جديد رغم استمرار الخلاف بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، وتوقف ترامب عن إطلاق المزيد من التهديدات اللوذعية بعدما كان قبل أسبوع فقط، قريبًا من إصدار أمر باستئناف العمليات القتالية الكبرى ضد إيران.
وآخر تصريحاته عن إيران قال: “نتعامل مع الأمر بهدوء ونجري معهم مفاوضات جزئية فقط.. نحن نراقب إيران في ظل التضخم الهائل الذي تعاني منه وحقيقة أنها لا تملك المال”، وأضاف أن إيران “تمر بوضع اقتصادي سيئ للغاية”، ولا تملك الأموال اللازمة لدفع رواتب قواتها، معتبرًا أن الحصار البحري الأمريكي عمق الأزمة الاقتصادية التي يواجهها النظام.
وعن المواجهة المتواصلة مع طهران، قال: “ستحل الأمور، فهي تحل دائماً في النهاية. إنها أشبه بلعبة شطرنج”، وكما قلت سابقاً ها هو ترامب الذي كان يميل قبل أسبوع واحد فقط إلى استئناف العمليات العسكرية الكبرى ضد إيران، لكنه اقتنع بخفض التصعيد مؤقتًا بحجة أن غياب الحرب يجبر طهران على مواجهة “واقع قاتم” لا تملك له حلولاً حقيقية، بما يجعل الضغط الاقتصادي أكثر فاعلية من شن جولة جديدة من الضربات، وفي الوقت نفسه.
أشار ترامب إلى أن تراجع سعر النفط إلى ما يزيد قليلاً على 75 دولارًا للبرميل خفف الأعباء الاقتصادية للحرب على المستهلكين الأمريكيين.. وللحديث بقية”
أهمية التحالفات الدفاعية وإعادة التوازن الاستراتيجي للأمن البحري الإقليمي
في قراءة استراتيجية تاريخية لتطور الأزمات العسكرية في المنطقة ودور المبادرات الجماعية في حماية السيادة الوطنية، يحلل الكاتب د. عبد المنعم سعيد في مقاله بصحيفة “الشرق الأوسط” تحت عنوان “في فضيلة التحالف”، أبعاد تشكيل التحالف البحري الدفاعي، مسجلاً ما نصّه:
“36 عاماً مضت على الغزو العراقي للكويت وقيام التحالف العربي والدولي لتحريرها، فيما بات يسمى «حرب الخليج الثانية»، بعد أن سبقتها الحرب الأولى عندما تحاربت إيران مع العراق 8 أعوام (1980 – 1988). «حرب الخليج الثالثة» جاءت مع الغزو الأمريكي للعراق في 2003 حيث جرت إطاحة نظام صدام حسين. الآن أصبحنا في حرب الخليج الرابعة التي تجري حالياً بين الولايات المتحدة وإيران؛ ولكن الحرب في واقعها ممتدة بين الخليج والبحر الأحمر والمضيقين «هرمز» و«باب المندب». الآن، المبادرة السعودية بإنشاء «التحالف البحري الدفاعي» التي وقّعت عليها 14 دولة عربية وإاسلامية تبعث الروح في ذلك التحالف الكبير، الذي قام في أروقة الأمم المتحدة ومنظمات عالمية أخرى، من أجل الاعتراف بالدولة الفلسطينية. هذه المرة، يأخذ التحالف صفة دفاعية لتعزيز الأمن البحري الجماعي وصون حرية الملاحة والتجارة العالمية في مواجهة أي عدوان على دول عربية. هذه المرة، يقوم التحالف بمهمة «دفاعية» لإعادة التوازن الاستراتيجي في المنطقة؛ ويكون مجالها بحرياً للإبقاء على الحقوق الدولية في حقّ المرور في المضايق التي تربط بين المياه الزرقاء في الخليج العربي والبحر الأحمر والمحيط الهندي. التحالف هنا يقوم بمهمة دولية للحفاظ على حرية التجارة العالمية، والتوازن المطلوب بين العرض والطلب في سوق الطاقة العالمية.”
ويرصد الكاتب الدروس المستفادة من التحالفات التاريخية وأهمية العطاء العربي المشترك في الحفاظ على الأمن القومي:
“لقد شاهدت مباشرة «حرب الخليج الثانية» ساعة بساعة والتي عرفت بحرب تحرير الكويت، من خلال عملي في قطر الشقيقة، الذي امتد من 22 أغسطس (آب) 1990 حتى الأول من يوليو (تموز) 1993؛ وبعدها عندما طُرحت بقوة قضية الأمن في الإقليم الخليجي. الحرب كان فيها الكثير الذي يستحق فخر العرب عندما قرروا أنه لا يجوز لدولة عربية شقيقة أن تجور على دولة عربية شقيقة هي الأخرى. في سبيل تلك القضية العادلة، جرى تجاوز الضجيج الذي جرى وقتها، مثلما جرى الآن عندما تخلط الأوراق بين الحق والواجب في ناحية، والقضية الفلسطينية في ناحية أخرى. هذا الموقف العادل كان كافياً لتكوين تحالف عربي يكون فاعلاً في التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة.
«التحالف العربي» كما كان وقتها ضرورياً لشرعية وشرف المحاولة الناجحة؛ وهي الآن ضرورية لعودة التوازن مرة أخرى إلى منطقة أعياها الاختلال والاختلاط بين حرب غزة الخامسة وحرب الخليج الرابعة. في الحرب الثانية كان الوجود العربي ليس من أجل المشاركة فقط في الحرب وتوجهاتها، بما فيها عدم العبور بعد تحرير الكويت إلى الأراضي العراقية بعد تمام المهمة؛ ولكن أكثر من ذلك. كان انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط، الذي قاد ضمن ما قاد إلى «اتفاقية أوسلو»، التي مهّدت لقيام أول سلطة فلسطينية على الأرض الفلسطينية في التاريخ. «أمن الخليج» تضمن من ناحية جزءاً من الأمن القومي العربي، فضلاً عن تضامن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في الحرب تضمن حشد قرابة نصف مليون جندي أميركي، ما طرح فكرة اتفاقات أمنية تقوم بإنشاء قواعد «لوجستية» لاستقبال وضمان جاهزية القوات في حالة اضطرار واشنطن للقدوم مرة أخرى.”
ويختتم بتأكيد القيمة المحورية للمبادرة في الشراكة التخطيطية ومعالجة الأزمات من منظور شامل:
“الفضيلة الأساسية للمبادرة السعودية لتكوين التحالف العربي البحري والدفاعي هي أن تكون الدول الأعضاء جزءاً من عملية التخطيط الاستراتيجي للمرحلة المقبلة، سواء ما كان مرتبطاً بعمليات عسكرية أو القيام بالمفاوضات الدبلوماسية أو القيام بجهود الوساطة، كما تشارك بالفعل السعودية ومصر وتركيا وباكستان. ما لا يقل أهمية عن ذلك كله هو أن التحالف سوف يكون ناظراً إلى المنطقة كلها من زاوية استراتيجية شاملة لتحقيق الاستقرار الإقليمي في جميع الجبهات الخاصة بحلّ القضية الفلسطينية، والتعامل مع حالات الإخلال بالدولة الوطنية في لبنان والعراق واليمن. حرب الخليج الثانية كانت استجابة لحالة من الارتجاج للأمن الإقليمي للشرق الأوسط في حالة اعتداء على سيادة دولة شقيقة؛ والآن في الحرب الرابعة فإن الخطر ليس أقل قسوة، حيث يتعرض عموم الإقليم لعمليات عدوان واعتداءات على السيادة الوطنية.”
تفكيك محددات التماسك الداخلي في المجتمع الإسرائيلي ومخاطر الانقسام
في قراءة سياسية وتاريخية لمجمل التحولات والانشقاقات داخل المجتمع الإسرائيلي، يحلل الكاتب توفيق أبو شومر في مقاله بصحيفة “الأيام” الفلسطينية تحت عنوان “ما سر تماسك المجتمع الإسرائيلي حتى اليوم ؟!”، أسباب تعثر سيناريوهات الحرب الأهلية رغم تعدد المحطات الحرجة، مسجلاً ما نصّه:
“ستظل سيناريوهات الصراع في إسرائيل بين الأحزاب السياسية والإثنيات العرقية غير قادرة على إدخال إسرائيل في حرب أهلية، فقد تنبأ كثيرون حتى قبل قيام دولة إسرائيل بأن حرباً أهلية بين الإسرائيليين أنفسهم ستؤدي إلى استحالة قيام دولة موحدة لإسرائيل!
لم ينسَ كثيرون من الكتاب المتنبئين بزوال إسرائيل، أن يذكروا بعض الأحداث التي تعزز نظريتهم، هم يذكرون من أحداث التاريخ أن اليهود أنفسهم قتلوا يهوداً من المهاجرين إلى فلسطين يوم 25 – 11 – 1940 قبل ثماني سنوات من الإعلان عن تأسيس إسرائيل، حينما فجر رجال مخابرات المنظمات الصهيونية الإرهابية سفينة، باتريا في ميناء حيفا.
كانت السفينة تحمل 1800 مهاجرٍ يهودي جديد إلى فلسطين، قتل رجال المخابرات الإسرائيليون 267 مهاجراً يهودياً من هؤلاء المهاجرين، حتى لا تُرحلهم السلطات البريطانية إلى جزيرة موريشيوس، وكان هارولد متشل هو المندوب البريطاني الذي رفض إدخالهم إلى فلسطين، لأنهم لم يحصلوا على تصريح دخول إلى فلسطين، ادعى مفجرو السفينة أن المهاجرين أنفسهم هم الذين فجروها.
كذلك فإن المؤرخين المغرمين بالنبوءات يذكرون قصة أخرى لسفينة، ألتالينا التي حدثت في الأشهر الأولى من الإعلان عن الدولة.
كانت، ألتالينا سفينة منظمة الإتسل الإرهابية، هذه السفينة كانت محملة بالأسلحة لكي تدعم سلطة، مناحم بيغن عام 1948م الذي أراد منافسة بن غوريون، غير أن بن غوريون أمر بقصف السفينة لفرض تكوين جيش إسرائيلي موحد.
الحدثان السابقان شكلا قناعة عند كثيرين من الخبراء والمحللين العرب والإسرائيليين المتعجلين بأن حرباً أهلية إسرائيلية توشك أن تحدث، غير أن تلك الحرب بين فسيفساء إسرائيل لم تحدث!”
ويرصد الكاتب تجليات الأزمات السياسية والقضائية المعاصرة والدور الأساسي للتهديدات الخارجية في الحفاظ على الوحدة:
“كذلك الحال عندما انسحب شارون من مستوطنات قطاع غزة وفككها عام 2005م برزت خلافاتٌ عميقة بين تيارات المجتمع الإسرائيلي السياسية والدينية، وكذلك ازدهرت آراء كثيرين من المحللين المتنبئين بحروب عرقية في إسرائيل بين فسيفساء المجتمع المتناقضة، عندما أعلنت حكومة اليمين عام 2022 عزمها التخلص من قوانين المحكمة الإسرائيلية العليا المعوقة لخططهم الاستيطانية، وكذلك بسبب أن الحريديم يرغبون في التحكم في اختيار قُضاة هذه المحكمة، ظل المتطرفون يسعون لتغليب قرارات الكنيست على قرارات المحكمة العليا، وكذلك ظهرت الخلافات في بند فرض التجنيد الإجباري على الطلاب الحريديم، هذا الإلزام مرفوض عند الحريديم، لأنهم يفضلون ألا يختلط شباب الحريديم بالفتيات المجندات، ولأن الجيش في عقيدتهم رذيلة، هم يرغبون في أن يتعلم المطلوبون للتجنيد التوراة فقط بدلاً من الالتحاق بالجيش الإسرائيلي.
كل تلك الملفات لم تؤدِ إلى انشقاق خطير بين الإثنيات العرقية والسياسية في إسرائيل!
كثيرون من المتابعين والكتاب عزوا السبب المباشر في عدم حدوث الانهيار لدولة إسرائيل إلى سببٍ رئيس وهو عداء الطرف الفلسطيني والعربي لإسرائيل، فقد ظل معظم الإسرائيليين يخشون خوض حرب أهلية بين طوائف المجتمع الإسرائيلي، حتى لا يكونوا فريسة للإرهاب الفلسطيني والعربي، فهم يتوحدون في وجه هذا العداء، هم أيضاً يرددون دائماً: «إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم إذا هُزمت مرة واحدة فإنها سوف تزول من الخريطة»!
قال، موشيه شاريت ثاني رئيس وزراء إسرائيلي بعد بن غوريون عام 1954: «يجب على إسرائيل أن تحافظ على استعدادها للحروب، وذلك بأن تعمد إلى استفزاز المحيط بها لتظل يقظة عسكرياً، وتحافظ على وحدة الشعب»!”
ويختتم باستعراض التحذيرات والكتابات الإسرائيلية التي تستحضر محطات التفكك التاريخي وتخاوُف العزلة والانقسام الداخلي:
“الأخبار السابقة ليست طبقاً شهياً لعاشقي نظرية الغيبيات ومدمني التنبؤات، وللمحللين الراغبين في استقطاب جمهور المغرمين بالنوم في العسل، بل هي إشارة إلى أن كُتَّاباً إسرائيليين كثيرين وحاخامين بارزين استغلوا عيد التاسع من شهر آب عام 2026، وهو ذكرى تدمير الهيكلين المغرقين في القدم لاستنتاج تحذيرات من الوقوع في الخطأين، الخطأ الأول هو تدمير الهيكل الأول 586 قبل الميلاد، والخطأ الثاني تدمير الهيكل الثاني بتاريخ 70 للميلاد على يد القائد الروماني، تيتس، هؤلاء الكتاب واظبوا على توظيف التاريخ مهما كانت سنوات قدمه للتحذير من الوقوع في الأخطاء نفسها!
قال الكاتب، شوكي فردمان: «إن التعصب والكراهية هو الوحيد الذي سيؤدي لانهيار إسرائيل، علينا أن نتذكر ذلك حتى لا نقع في الخطأ نفسه، إن نجاح الرومان في قمع ثورة، شمعون باركوخبا عام 132 – 133م كان بسبب الانشقاق والكراهية، يخشى الإسرائيليون في هذا العام العبري 5786 انهيار المجتمع الإسرائيلي، ووفقاً لمعهد السياسة العالمية في اليابان هناك 55 % من الإسرائيليين يعتقدون أن الانقسام الداخلي هو أخطر تهديد على إسرائيل، في مقابل 23 % يرون أن إيران هي الخطر الوجودي على إسرائيل، كذلك فإن 80 % من الإسرائيليين قلقون على الوضع الاجتماعي والعرقي في إسرائيل، إن المشكلة تكمن في المتعصبين ممن يحبطون أي حلٍ، فالخلاف على القضاء أبرز مثال على ذلك، إن دعم المتطرفين اليمينيين للإرهاب قد تؤدي إلى عزلة إسرائيل، يجب أن نرفض دعوة المتطرفين» (صحيفة «ذي تايمز أوف إسرائيل» 22 – 7 – 2026).
كذلك فإن، جيفري ليفين كتب مقالاً بعنوان: (لماذا فقدنا الأرض) قال: «الاستقلال السياسي لا يضمن البقاء في الأرض في المستقبل، ففي لعبة الشطرنج سيكون الرابح هو من يتوقع الهدف من خطة خصمه، إننا في إسرائيل نتحدث عن قدراتنا العسكرية والاقتصادية فقط، ولكن أين الذكاء والحكمة وفهم الأعداء، وفهم بعضنا بعضاً؟ فلم يكن تدمير الهيكل الأول مفاجئاً، بل كان ناتجاً عن الظلم والفساد والقناعة بالحال الراهنة، إن القناعة والنوايا الحسنة لا تكفي، لقد دُمر الهيكل الثاني بسبب فشلنا، كما أن يهوداً كثيرين أحرقوا مخازن الغذاء خلال الحصار الروماني، ظناً منهم أن المجاعة ستجبر الناس على القتال، لكنهم أضعفوا شعبهم، وعجلوا بتدمير المدينة، وفككوا الوحدة اليهودية، فقد شهدنا ظرفاً يشبه ما حدث يوم السابع من أكتوبر 2023، فقد شهدنا انقساماً غير مسبوق حول النظام القضائي، ما أدى إلى تفكك المجتمع، كيف نفقد القدرة على فرض التجنيد العسكري على جميع الإسرائيليين؟» (النشرة الصهيونية JNS يوم 22 – 7 – 2026)
لم يقتصر أمر التحذير من انتشار الكراهية وسط الإسرائيليين على الصحافيين والكتاب والمفكرين، بل نشرت صحف إسرائيل شهادات من يهود ممن عاصروا الهولوكوست، مثل أبراهام بلاو وهو ضابط في لواء الناحال، ألف 12 كتاباً، عمره اليوم 85 سنة قال: «إن الانقسام اليهودي أشد خطراً من التهديد الإيراني، عرضتُ المساعدة على يهودي يساري، رفض المساعدة لأنني حريدي، إن الكراهية بيننا تقلقني بشدة»!
وقالت، ديفورا ونشتاين وهي ناجية من الهولوكوست، هاجرت لإسرائيل عام 1948م قالت: لقد شهدنا انقساماً كبيراً عقب اغتيال، إسحق رابين ثم تمكنا من اجتياز تلك الأزمة، اليوم نحن نكره بعضنا بعضاً، كأننا نعيش في عصر تدمير الهيكل» (صحيفة JNS يوم 22 – 7 – 2026).
كذلك فإن، يونسان جونسن الحاخام اليهودي البارز كتب: «كل جيلٍ يهودي لا يبني الهيكل فهو لا يزال يعيش في عهد دمار الهيكلين، فقد دمر البابليون الهيكل الأول 586 قبل الميلاد ودام التدمير سبعين عاماً بسبب الوثنية والفساد والجرائم والفجور، بينما دام السبي اليهودي ألفي سنة، ودمر الرومان الهيكل الثاني عام 70 للميلاد بسبب انتشار الكراهية بين الشعب اليهودي، خاطب الله أبناءه كأبٍ قال لهم: إذا لم تحبوا بعضكم، فلم يعد الرب يسكن بينكم»! (صحيفة إسرائيل ناشيونال نيوز 26 – 7 – 2026).”
نقد الحضارة المعاصرة واستدعاء الفلسفة الكانطية لإعادة تأسيس السلام الكوني
في قراءة فلسفية وفكرية لأزمة الأخلاق والنظام الدولي المعاصر، يحلل الكاتب صلاح سالم في مقاله بصحيفة “الخليج” الاماراتية تحت عنوان “كانط جديد للقرن الحادي والعشرين!”، الفجوة المتزايدة بين التقدم المادي والسيطرة على الطبيعة وبين العجز عن تحقيق العيش الآمن، مسجلاً ما نصّه:
“في صيرورة ارتقاء لم تتوقف بعد، تمكن العقل البشري، بما طوره من علوم تجريبية خصوصاً الفيزيائية، ومن تطبيقات تكنولوجية خصوصاً الفضائية، من تحقيق سيطرة أوسع على الطبيعة، خرج الإنسان بفضلها من أسر كوكبنا الأرضي، إلى فضاء الكواكب القريبة، محاولاً فهم المعمار الكوني، وربما الاستثمار فيه، حيث جرى الهبوط على سطح القمر قبل ستة عقود ونيف، وبات تنظيم الرحلات السياحية إلى المريخ أمراً ممكناً منذ سنوات.
لكن المؤسف، أن ذلك الإنسان، الذي نمت قدرته على اكتشاف ممكنات الحياة على الكواكب الأخرى، ازداد عجزه في المقابل عن العيش الآمن في كوكبه الأصلي. لذا نجد أن أشواقه لزراعة المريخ والسياحة على وجه القمر تترافق وسلوكيات الخطرة التي تهدد بحرق الأرض وتدمير ممكنات زراعتها والسياحة فيها. نعم أعطانا نمط الحياة الحديث الكثير من الأشياء: مرافق حياة أساسية أكثر تطوراً، وتنظيمات اجتماعية أكثر رسوخاً، ومؤسسات للعدالة والعقاب أكثر فاعلية، وأشكال للترفيه أكثر جاذبية، ما يعكس مسيرة التقدم المادي. لكنه، وفي المقابل، أجج لدينا مثالب كالجشع الفردي، والتناقض الطبقي، والتحيز الدولي، فجعل منها معاول هدم وأدوات هدر وقيوداً حديدية تعوق حركة التقدم الروحي والأخلاقي نحو العدالة والحرية والسلام.”
ويرصد الكاتب المرتكزات الأخلاقية والإنسانية في الفكر الكانطي وتأسيس الواجب بعيداً عن الرؤى الإكراهية أو النزعات العنصرية:
“ومن ثم تبدو حاجتنا الشديدة، أكثر من أي وقت مضى، إلى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الذي يحلو لي أن أصفه ب«أبو» العقل الإنساني، كونه صاحب النسق الفكري الأكثر شمولاً واتساقاً، الذي يمتد من تأسيس المعرفة على قاعدة النقد، إلى تأسيس الأخلاق على قاعدة الواجب، إلى تأسيس السلام العالمي على قاعدة العدالة. إنها المهمة التي لم يقترب منها فيلسوف مثل هيجل، نجح في أن يقدم لنا نسقاً فلسفياً يبدو جذاباً من خارجه، لكن الغوص داخله يكشف كم كان واسعاً وفضفاضاً، ممتلئاً بالثقوب إلى الحد الذي سمح بتغلغل النزعتين: الشمولية والعنصرية فيه، وهو ما تجلى في تمجيده للدولة البروسية، وفي قدحه للأعراق والديانات المختلفة خصوصاً العرق الأسود.
في كتابه: «الدين في حدود مجرد العقل»، أكد كانط على أن مفهوم الأخلاق الكونية هي الابنة الطبيعية للعقل المجرد، بما أن الكوني الوحيد فينا هو عقولنا. ومن ثم أسس نزعته الإنسانية على ثقته في الطبيعة البشرية، رافضاً أي حديث عن فسادها من أثر الخطيئة الأولى كما أصر الفكر المسيحي التقليدي، فلا يوجد إنسان ولد شريراً بطبيعته، أو خيراً بطبعه، فالقضية تتعلق بإمكان استعمال الحرية حسب مقتضيات الواجب الأخلاقي، حيث ينجح البعض فيحققون أخلاقيتهم، ويفشل البعض فيفقدون تلك الأخلاقية. وعلى هذا لا تكون الخطيئة الأولى هي أصل الشر، بل إن إرادة الإنسان هي مناط الشر والخير معاً. فالإنسان الذي يستعمل عقله بطريقة مثلى، وبحرية خالصة لا يشوبها قهر، ويلتزم بما ينتج عن هذا الاستعمال من نتائج، لن يكون فقط حراً، بل سيكون أخلاقياً، وربما مؤمناً فاضلاً، وتلك هي غاية التنوير الحقيقي، أي مساعدة الإنسان على الانتقال من الإيمان النظامي-الكهنوتي إلى الإيمان الروحي- الحر.”
ويختتم بالربط بين مشروع “السلام الدائم” وعجز المنظومة الدولية الراهنة عن نصرة القضايا العادلة:
“انطلاقاً من نزعته الإنسانية ونظامه الأخلاقي، دعا لتأسيس نظام عالمي، لا يمكن أن ينشأ إلا إذا قمنا بتمديد الالتزام الأخلاقي للفرد كإنسان من مجرد الشعور بالمسؤولية إزاء الأفراد الآخرين في مجتمعه، إلى الشعور بالمسؤولية إزاء البشر جميعاً بغض النظر عن معتقداتهم وأوطانهم. اقترح كانط في كتابه الأثير «مشروع للسلام الدائم» 1794، ثنائية الديمقراطية والسلام كأفضل قاعدتين للتعايش الإنساني. الأولى تؤسس لمنظومة تشريعية تسيّر الشؤون الداخلية للمجتمع الواحد على أساس الحرية وصولاً إلى الديمقراطية. والثانية تؤسس لمنظومة قانونية تسير العلاقات بين الأمم على أساس العدالة وصولاً إلى السلام، مؤكداً أنه لا يمكن تحقيق الحرية داخل الأمم ما لم يتحقق السلام بين الأمم، والعكس صحيح. وهنا اقترح إنشاء هيئة دولية تقوم على مهمة السلام العالمي في موازاة عملية تطوير الديمقراطية الليبرالية في المجتمعات المحلية، مؤكداً على أن تعامل هذه الهيئة مع أعضائها بغير عدالة سوف يقضي على السلام العالمي، مثلما يؤدي الخروج على سيادة القانون إلى تقويض ديمقراطية الدولة. ومن منذ نشأت هيئة الأمم المتحدة عام 1945 نُظر إليها على أنها الثمرة الطيبة لمشروع السلام الكانطي، لكن المفارقة المؤلمة أن المنظمة الدولية، بعد ثمانية عقود ونيّف على تأسيسها، باتت تعيش أتعس لحظاتها، عاجزة ليس فقط عن الدفاع عن المقهورين في العالم، وقد صار الفلسطينيون رمزاً استثنائياً لهم، بل وأيضاً عن نفسها، بفعل القطب الأمريكي المتحكم في شؤونها، والذي سمح لإسرائيل بالولوغ عميقاً في الدماء الفلسطينية، استلهاماً لأكثر الأفكار التوراتية خرافية كعقيدتي الشعب المختار، وأارض الميعاد. ومن ثم تبدو حاجتنا الشديدة إلى استدعاء كانط من نهاية القرن الثامن عشر إلى قلب الحادي والعشرين، ليسهم في ترميم حكمتنا المهدرة، بإعادة تأسيس النزعتين التنويريتين: الكونية والإنسانية.”
تحرير : مروة عبد الحفيظ




