الأهرام : مصائبُ «هرمز» عند «سوريا» فوائدٌ
مقالات وكتاب
يتناول ملف اليوم قضايا استراتيجية وفكرية واقتصادية متنوعة؛ يبدأ بتحليل المسارات المستحدثة لنقل الطاقة وتحول الوضع الاستراتيجي لسوريا كبديل لمضيق هرمز، مروراً بالتفكيك الفكري والأيديولوجي لدوافع الصراع الإقليمي، ثم يتعمق في النقد التحليلي لسياقات الاستعمار الاستيطاني، وصولاً إلى قراءة الأبعاد المالية والنقدية للتدخل الأمريكي في دعم الين الياباني وحماية سوق سندات الخزانة.
المسارات البديلة لنقل الطاقة وتحولات الموقعيّة الجيوسياسية لسوريا
في قراءة استراتيجية وإقليمية لتداعيات أزمات الملاحة في الخليج والتحركات الدولية لإعادة رسم خطوط الإمداد، يحلل الكاتب محمد شعير في مقاله بصحيفة « الأهرام » المصرية تحت عنوان “مصائبُ «هرمز» عند «سوريا» فوائدٌ”، الفرص الاقتصادية الواعدة أمام سوريا لتصبح معبراً رئيسياً للنقل والنفط، مسجلاً ما نصّه:
“يبدو أن هذا ما تسعى إليه واشنطن خلال الفترة الحالية، للعمل على مواجهة معضلة «مضيق هرمز» كممر أساسي للطاقة والنفط بين دول المنطقة والعالم، في ظل ما يواجهه من توترات وإغلاق، وتبادل السيطرة والحصار… سوريا تمتلك إمكانات هائلة، لتصبح مركزًا تجاريًا جديدًا للطاقة، نظرًا لقدرتها المحتملة على تصدير النفط وامتلاكها حوالي مليارين ونصف المليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، بينما تشير بعض التقديرات إلى أنها تصل إلى 27 مليار برميل، بما في ذلك المناطق البحرية.”
ويرصد الكاتب الاتفاقيات الإقليمية والمشروعات البنيوية الجاري تفعيلها بتنسيق دولي لتجاوز الممرات المائية المضطربة:
“وقَّعت سوريا والعراق – في واشنطن- اتفاقية لإعادة بناء خط أنابيب قديم ينقل النفط العراقي من حقول كركوك إلى ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط، في إطار سعي بغداد لإيجاد منفذ تصدير بديل لمضيق هرمز… صرح المبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق توم براك، من أن الولايات المتحدة تعمل بالتنسيق مع خمس دول في المنطقة على برنامج للانتقال إلى مسارات بديلة لمضيق هرمز… سوريا والعراق والأردن ولبنان ومصر.”
ويختتم بالتنبيه إلى التعقيدات الأمنية والضغوط السياسية المصاحبة لهذه الخريطة المستحدثة:
“تطل أيضًا في المقابل أسئلة مهمة وخطيرة برأسها في مشهد الخريطة الجديدة، أبرزها سيكون حول الموقف الإسرائيلي الذي يسعى بكل السبل إلى إضعاف الدولة السورية الجديدة… كذلك؛ لا تزال البيئة السورية الداخلية تتسم بهشاشة تتيح إمكانية تعرض أنابيب النفط التي سيتم مدها لعمليات اعتداء وتخريب… والأهم هو: في ظل الدعم الأمريكي الكبير لهذه الخريطة النفطية المستحدثة… ما الأثمان التي سيتوجب على الإدارة السورية دفعها في المقابل.”
البُعد العقائدي وتوظيف أسطورة «المخلّص» في الصراعات الإقليمية
في قراءة فكرية وسياسية لآليات الخطاب ومغالطة تحميل الضحية مسؤولية عنف المحتل، يحلل الكاتب علاء الدين أبو زينة في مقاله بصحيفة “الغد” الأردنية تحت عنوان “«سد الذرائع»: من الفقه إلى التسييس..!”، طبيعة البنية الاستعمارية ومحدودية المنطق في تفسير الصراع، مسجلاً ما نصّه:
“ثمة إشكالية كبيرة في استخدام قاعدة «سدّ الذرائع» في السياقات الاستعمارية- وخصوصًا الاستعمارات الاستيطانية. ومن المسلّم به أن هذه الأنظمة الاستعمارية لا تنشأ من «ذرائع» يقدمها السكان الأصليون. إنها مشاريع تنشأ من فائض القوة، والحاجة إلى تعظيم الثروة بالاستيلاء على الأرض والموارد. وفي الاستعمار الاستيطاني، يقوم المشروع على التوسع الإقليمي، وبذلك انتزاع الملكية وإعادة تشكيل المجال السكاني والسياسي لإضعاف قدرة السكان الأصليين على إدامة وجودهم– فيزيائيًا وهوياتيًا وتاريخيًا.
وفي هذه السياقات، لا يمكن ادعاء أن «سد الذرائع» بضبط مقاومة الضحية سيفضي إلى إنهاء الاستعمار وحفظ الوجود. وغالبًا ما يؤدي التلقي السلبي للنشاط الاستعماري الاستيطاني إلى خفض كلفته ومنحه ظروفًا أكثر راحة لتوسيع وترسيخ مشروعه.
في هذه التجارب وغيرها، لا يصمد مبدأ «سدّ الذرائع» مطلقًا أمام المنطق الاستعماري. إنه مبدأ يفترض ضمنيًا أن المستعمِر يتصرف استجابةً لسلوك الضحية، وأن تعديل هذا السلوك سيؤدي إلى تعديل سياسة القوة المسيطرة. لكنّ التجربة التاريخية تُظهر أن الأنظمة الاستعمارية تمتلك قدرة شبه دائمة على إنتاج الذرائع التي تحتاجها، سواء وُجدت مقاومة أم لم توجد.”
ويرصد الكاتب الركائز التحليلية لدراسات الاستعمار الاستيطاني عبر التجارب التاريخية والتعطيل الوظيفي لنقد المقاومة:
“لاحظ فرانتز فانون، الذي عايش التجربة التحررية الجزائرية من داخلها، أن الاستعمار ليس رد فعل على مقاومة، وأنه بحد ذاته بنية عنف تُنتج الإخضاع وتجريد المستعمَرين من إنسانيتهم منذ نشوئها. وكتب: «الاستعمار ليس آلةً قادرةً على التفكير، وليس جسدًا موهوبًا بالعقل؛ إنه عنفٌ في حالته الطبيعية، ولن يذعن إلا أمام عنفٍ أشد».
وثمة دراسة شهيرة للباحث الأسترالي البارز في دراسات الاستعمار، باتريك وولف، عنوانها «الاستعمار الاستيطاني والقضاء على السكان الأصليين»، لخص فيها جوهر الاستعمار الاستيطاني في بضع كلمات: الاستعمار الاستيطاني «بنية وليس حدثًا». إنه مشروع لا يتوقف عند لحظة الغزو الأولى وغايته ليست استغلال قوة العمل المحلية. إنه نظام مستمر عمله إعادة توزيع الأرض والسكان والسيادة بما يخدم ترسيخ وجود المستوطن.
إنّ ما يسفر عنه إقحام «سدّ الذرائع» على السياقات الاستعمارية هو نقل مركز المسؤولية من القوة المهيمنة إلى ضحاياها. وبدلاً من مساءلة النظام الاستعماري عن استمرار احتلاله، يصبح المطلوب مساءلة الشعب الواقع تحت الاحتلال عن إظهار رفضه لواقع الاحتلال. ويحوِّل هذا الانقلاب في ترتيب الأسئلة الضحية إلى متهم دائم بينما يتستر على المصدر الفعلي للعنف ويخفيه تحت نقاش لا ينتهي حول ردود أفعال المقهورين. وفي الخبرة الفلسطينية مثال على هذه الآلية، عبر عنه إدوارد سعيد: «يجري تحميل الفلسطيني المسؤولية عن تجريده من أرضه هو».”
ويختتم بالتمييز بين النقد المشروعي وتفكيك أصل حق الشعوب في التحرر وتقييم كلفة المنظومة الاستعمارية:
“لا يعني ذلك أن تكتيكات المقاومة تكون معصومة من الخطأ ومقدسة لا تحتمل النقد. في النهاية، تنتهي كل معركة إلى خاسر وكاسب– سواء لجهة الظروف الموضوعية أو عيوب في التخطيط وتوقع النتائج. لكن تقييم الوسائل يختلف جذريًا عن تحويل وجود المقاومة بحد ذاته إلى أصل المشكلة. ومن الضروري أن يظل النقاش حول الوسائل بعيدًا عن شبهة محاولة نزع الشرعية عن حق الشعوب في مقاومة السيطرة الاستعمارية.
إذا كان ثمة ما يمكن استخلاصه من تجارب الاستعمار الحديثة، فهو أن المشاريع الاستعمارية– التقليدية والاستيطانية على حد سواء- لا تتراجع لأنها فقدت الذرائع. إنها تتراجع عندما ترتفع كلفة استمرارها، ماديًا وسياسيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا- أو عندما تتغير موازين القوى الداخلية والدولية التي تحميها. وينطوي منطق انتظار أن يتخلى المشروع الاستعماري عن أهدافه بمجرد زوال الذرائع على قراءة معكوسة للتاريخ. إنه يفترض أن الذرائع هي التي تُنتج الاستعمار، بينما الاستعمار هو الذي ينتج ذرائعه وخطابه التبريري، أنّى وكلما احتاج إليها.”
الدوافع الاستراتيجية للتدخل الأمريكي ودعم الين الياباني
في قراءة اقتصادية ومالية دولية لآليات أسواق العملات وتوازنات الدين العام العالمي، يحلل الكاتب والباحث الاقتصادي علي محمد الحازمي في مقاله بصحيفة “عكاظ” السعودية تحت عنوان “لماذا تدعم أمريكا الين الياباني؟”، الخلفيات الاستراتيجية للتدخل الأمريكي وحماية المصالح النقدية لواشنطن، مسجلاً ما نصّه:
“عندما أعلنت الولايات المتحدة مؤخراً ضخ مليارات الدولارات لدعم الين الياباني بعد وصوله إلى أدنى مستوياته منذ عقود، بدا المشهد وكأنه خطوة لإنقاذ الاقتصاد الياباني والحفاظ على استقرار الأسواق العالمية. في الاقتصاد الدولي، نادراً ما تكون التدخلات الكبرى عملاً خيرياً أو دعماً مجانياً لحليف. هناك قاعدة اقتصادية غير مكتوبة تقول إن الدول الكبرى لا تتدخل في أسواق العملات من أجل الآخرين، إنما عندما تقتضي مصالحها ذلك. العملات تتجاوز كونها وسيلة للتبادل أو مقياس للقيمة، لتصبح أداة تعكس توازنات التجارة، وحركة رؤوس الأموال، والسياسة النقدية، وحتى موازين القوى الاقتصادية بين الدول.
الإجابة تبدأ من حقيقة كثيراً ما تغيب عن النقاش العام، وهي أن اليابان تتجاوز فكرة كونها ثالث أكبر اقتصاد في العالم، لتكون أحد أكبر الدائنين الأجانب للحكومة الأمريكية من خلال استثماراتها الضخمة في سندات الخزانة بما يقارب 1.1 تريليون دولار. مع تجاوز الدّيْن العام الأمريكي 37 تريليون دولار، أصبحت الحكومة الأمريكية أكثر اعتماداً على استمرار الطلب العالمي على سندات الخزانة لتمويل احتياجاتها المتزايدة. من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التدخل الأمريكي باعتباره خطوة وقائية أكثر منه عملية إنقاذ. الهدف لم يكن فقط دعم الين، إنما أيضاً تجنّب اضطرابات قد تمتد إلى سوق السندات الأمريكية، التي تُعد حجر الأساس للنظام المالي العالمي.”
ويرصد الكاتب المخاطر المباشرة لضعف الين على سوق السندات وتكلفة الاقتراض الحكومي الأمريكي:
“كان الين قد تراجع إلى مستويات لم يشهدها منذ نحو أربعة عقود، مقترباً من 164 يناً للدولار. يعود جانب كبير من هذا الضعف إلى اتساع الفارق بين أسعار الفائدة الأمريكية واليابانية. المستثمر يستطيع الاقتراض بالين بتكلفة منخفضة، ثم يحوّل أمواله إلى الدولار ويستثمرها في سندات أو أصول أمريكية تحقق عائداً أعلى. المعروف، كلما اتسع هذا الفارق زاد بيع الين وشراء الدولار، فيما يعرف بتجارة فروقات العائد أو الـCarry Trade.
في المقابل، كلما ضعف الين ازدادت الضغوط على الاقتصاد الياباني، سواء من خلال ارتفاع تكلفة واردات الطاقة والغذاء أو زيادة معدلات التضخم. إذا قررت السلطات اليابانية الدفاع عن عملتها منفردة، فإنها تحتاج إلى سيولة دولارية كبيرة لشراء الين من الأسواق. أحد الخيارات المتاحة أمام الحكومة اليابانية هو بيع جزء من احتياطاتها المقوّمة بالدولار، بما في ذلك سندات الخزانة الأمريكية. هنا يتحوّل ضعف الين من مشكلة يابانية إلى تحدٍّ أمريكي، لأن بيع كميات كبيرة من السندات يؤدي إلى انخفاض أسعارها وارتفاع عوائدها، وهو ما يعني ارتفاع تكلفة الاقتراض على الحكومة الأمريكية، وامتداد الأثر إلى الشركات والأسر والأسواق المالية. بالنسبة لإدارة تسعى إلى احتواء كلفة خدمة الدّيْن وتحفيز النمو، فإن آخر ما تريده واشنطن هو أن يبدأ أحد أكبر مموليها الخارجيين بتقليص حيازاته بسرعة؛ لذلك يمكن قراءة التدخل الأمريكي باعتباره عملية وقائية من خلال مساعدة اليابان على دعم الين من دون اضطرارها إلى إغراق السوق بالسندات الأمريكية.”
ويختتم بالربط بين أبعاد التوازن النقدي والقدرة التنافسية للتجارة الأمريكية:
“هذه ليست القصة كلها. الإدارة الأمريكية، ولا سيما في عهد الرئيس دونالد ترمب، تنظر أيضاً إلى أسعار الصرف باعتبارها أداة تؤثر في ميزان التجارة. الين الضعيف يجعل المنتجات اليابانية أكثر قدرة على المنافسة داخل السوق الأمريكية، ويمنح الشركات اليابانية ميزة سعرية يصعب على المنتج الأمريكي مجاراتها. بالتالي، فإن استقرار الين أو ارتفاعه نسبياً ينسجم مع هدف أوسع يتمثّل في تقليص الاختلالات التجارية ودعم الصناعة المحلية، دون اللجوء دائماً إلى فرض رسوم جمركية جديدة. واشنطن لا تقدم منحة مجانية لحليفها، بل تدفع مبلغاً محدوداً اليوم لتجنّب فاتورة أكبر غداً.”
تحرير : مروة عبد الحفيظ



