أكد أكاديميون ونقاد فنون مشاركون أن تمثال نهضة مصر للفنان الرائد محمود مختار يمثل أحد أهم الرموز البصرية للهوية الوطنية المصرية، بوصفه عملًا فنيًا تجاوز حدود الجماليات التشكيلية ليعبر عن وعي الأمة بذاتها وتطلعها إلى المستقبل.
جاء ذلك خلال ندوة استضافتها قاعة الندوات المتخصصة، وشارك فيها كل من الدكتور محسن عطية أستاذ النقد والتذوق الفني بكلية التربية الفنية، والدكتور محمد العلاوي أستاذ النحت الميداني بكلية الفنون الجميلة بالزمالك، وأدارها الدكتور أحمد عبدالعزيز،أستاذ ورئيس قسم النحت بكلية الفنون الجميلة.
وقال الدكتور محسن عطية “إن تمثال نهضة مصر، الذي أنجزه محمود مختار عام 1920، لم يكن مجرد عمل فني، بل كان تجسيدًا حيًا لروح ثورة 1919 ووجدان الأمة المصرية في سعيها للتحرر والاستقلال”، مشيرًا إلى إعجاب الزعيم سعد زغلول بالنموذج الأولي للتمثال واعتباره رمزًا صادقًا عن الثورة.
وأضاف “أن مشاركة الشعب المصري في تمويل التمثال مثلت سابقة تاريخية تعكس وعيًا فنيًا مبكرًا وإيمانًا بدور الفن في التعبير عن القضايا الوطنية”، معتبرًا أن العمل برهن على قدرة الفن على تمثيل وجدان أمة بأكملها.
وتناول السياق التاريخي لتأسيس مدرسة الفنون الجميلة عام 1908، موضحًا أنها واجهت في بداياتها اعتراضات دينية على الفنون، قبل أن يتدخل الإمام محمد عبده مفتي الديار المصرية آنذاك، بفتوى تاريخية أجازت النحت والفنون، ما أسهم في إنقاذ المشروع وتأسيس أول مدرسة فنون جميلة في مصر والوطن العربي.
وأشار إلى أن عددًا من المفكرين والأدباء، من بينهم عباس محمود العقاد، شاركوا في النقاشات الفكرية حول نموذج التمثال، بما يعكس تداخل الفن والأدب في مشروع “نهضة مصر” ووعي مختار العميق بهذا التفاعل عند صياغة عمله.
وأوضح أن اختيار مختار للجرانيت الوردي، المعروف بصلابته وصعوبة تشكيله، جاء تعبيرًا عن صلابة الشخصية المصرية، مؤكدًا أن الفنان حافظ على الكتلة الحجرية ومنحها حيوية وحركة، في استلهام واضح لقيم النحت المصري القديم واحترام الخامة.
وأضاف أن شخصية الفلاحة في التمثال ترمز إلى الأرض والوطن، وتحمل في وضعيتها وملامحها دلالات الاعتزاز بالذات المصرية، جامعًا بين التراث والمعاصرة.
من جانبه..قال الدكتور محمد العلاوي “إن تمثال نهضة مصر يعبر عن أمة كاملة لا عن تمجيد فرد بعينه”، مشيرًا إلى أن الفلاحة تستند إلى قاعدة مصرية راسخة، بينما تتطلع بنظرتها إلى المستقبل في استشراف واضح لمعنى النهضة القادمة.
وأكد أن الفن هو نتاج الثقافة والتاريخ والبيئة، وهو ما تجسد بوضوح في هذا العمل، مانحًا إياه قيمة رمزية وثقافية عالية.
وبدوره..شدد الدكتور أحمد عبدالعزيز على أهمية استحضار مفهوم النهضة في الوقت الراهن، لا سيما في ظل محاولات التقليل من شأن الحضارات القديمة، مؤكدًا أن الحضارة الحقيقية ترتبط دائمًا بـ«لغز» يمنحها العظمة والاستمرارية، وهو ما ينطبق على الحضارة المصرية القديمة.
وأوضح أن تمثال نهضة مصر لا يزال محتفظًا بقيمته بعد أكثر من 100 عام، لأنه نتاج قراءة واعية للواقع المصري في مواجهة الاحتلال، ولأن جميع عناصره تتجه نحو المستقبل وتحمل رسالة أمل وبناء، مشيرًا إلى أن اختيار الجرانيت، الذي وصفه بـ«الحجر الغاضب»، يعكس ذكاء مختار وقوة رؤيته الفنية.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أن تمثال نهضة مصر يحمل رسالة رمزية مفتوحة تدعو إلى البناء والتقدم، مع توجيه دعوة للشباب إلى التفاعل مع الندوات والفعاليات الثقافية، بوصفها مدخلًا أساسيًا للوعي والمعرفة واستعادة روح النهضة المصرية.
أ ش أ

